غضب مغربي يدفع مارسيليا للتراجع    بينها المغرب.. الصين تلغي الرسوم الجمركية عن 53 بلدا إفريقيا    الملك يهنئ رئيس صربيا بالعيد الوطني    إسبانيا.. المغرب ضيف شرف "القمة الرقمية 2026" بمدريد    الغزاوي: ثلث مستفيدي "دعم سكن" من مغاربة العالم    الشروع في تنزيل تدابير تضمن عودة آمنة لساكنة المناطق المنكوبة جراء الفيضانات    مطالب للحكومة بالتدخل العاجل لإنصاف متضرري فيضانات شفشاون وإدراج الإقليم ضمن المناطق المنكوبة    الاتحادي عبد الهادي خيرات يلتحق بالتقدم والاشتراكية قبيل الانتخابات    أوباما يرد على فيديو عنصري صوره في هيئة قرد وينتقد "السلوك الديكتاتوري" لإدارة الهجرة الأمريكية    فتح بحث قضائي في واقعة وفاة مريض داخل المستشفى الجامعي محمد السادس بأكادير    مقتل 10 فلسطينيين بقصف إسرائيلي    بولس: مشاورات الصحراء مؤطرة أمميا    طقس الأحد.. سماء صافية بمعظم أرجاء المملكة    نعيم الجنة …عذاب النار    الصين تنشر كوكبة من الأقمار الاصطناعية تحمل 10 نماذج للذكاء الاصطناعي    لقاء تواصلي للأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية مع مناضلي طنجة – أصيلة…..    نهضة بركان يبلغ ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا بفوز ثلاثي على ريفرز يونايتد    رياح عاصفية قوية ترفع تحديات جديدة في منطقة ميسور    دراسة: تقييد استخدام الهواتف في المدارس لا يحسن الصحة النفسية للتلاميذ    بركان يتأهل إلى ربع نهائي الأبطال    التعادل السلبي يحسم مباراة أولمبيك آسفي وإتحاد العاصمة في كأس "الكاف"    المشروع الإيراني    مسعد بولس: واشنطن تتحرك لإنهاء نزاع الصحراء وتراهن على القرار الأممي التاريخي    عودة تدريجية للمتضررين من الفيضانات بسيدي قاسم    انتفاضة قلم    زعامةُ الكَلمات    حجية السنة النبوية    بنعدي: التقدم والاشتراكية استعاد مكانته السياسية بدينامية متصاعدة ومنتدى المناصفة والمساواة منخرط فيها بقوة ومعقول    إدريس الخوري: رحيلٌ في "عيد الحب" وسخرية القدر الوفية    أخنوش من أديس أبابا: المغرب يرسخ حضوره المحوري داخل الاتحاد الإفريقي    الأسرة من التفكك إلى التماسك في رمضان    "الدشيرة" يعود بفوز ثمين من طنجة    رصيف الصحافة: التساقطات تربك شبكة الكهرباء في "المناطق المنكوبة"    البرازيلي بينيرو براتن يمنح أميركا الجنوبية أول ذهبية في تاريخ الألعاب الشتوية    كأس الكونفدرالية.. الوداد يخوض آخر حصة تدريبية قبل مواجهة عزام التنزاني غدا    الملء يلامس 70% في سدود المملكة    روبيو: واشنطن تريد "أوروبا قوية"    مطالب بتعليق قروض المقاولات الصغرى وإعفاء ات ضريبية للمتضررين من الفيضانات    الخطوط المغربية تطلق رحلات جديدة بين شمال المغرب وإسبانيا وتعزز حضورها في السوق الإيبيرية    ديمبلي يوبخ زملاءه بعد الهزيمة أمام ستاد رين وإنريكي يرد بقوة: "تصريحاته لا قيمة لها"        المغرب يرسخ أهمية صناعة الطيران    قطاع السكك الحديد بالصين يواصل التوسع بخطوط فائقة السرعة    مقتل شخص طعن دركيا قرب قوس النصر بباريس    ديمومة تراقب "تجارة رمضان" بخريبكة    يَابِسَتان لِالْتِئامِ الطُّوفان    السينما المغربية تبحث عن شراكات جديدة في برلين    رمضان على "تمازيغت": عرض غني من الدراما والوثائقيات يلامس الواقع وأسئلة المجتمع    فرقة الحال تتألق بمسرح محمد الخامس    تحذيرات خبراء : "أطعمة تقتل الإنسان ببطء وتوجد في نظامنا الغذائي"    العرائش: عالم آثار ألماني يقود بعثة لإثبات فرضية "ميناء غارق" قبالة السواحل المغربية    هذا ما قالته مندوبية السجون حول محاصرة مياه الفيضانات لسجن طنجة 2    أبحاث أمريكية: النوم المتأخر يهدد صحة القلب    منظمة الصحة العالمية تدعو لتوسيع نطاق جراحات العيون للحد من حالات العمى الممكن تجنبها    قطاع البر والإحسان يتصدر منظومة الاقتصاد الإسلامي في ندوة البركة ال46    رمضان 2026: أين ستُسجل أطول وأقصر ساعات الصيام حول العالم؟    ظلمات ومثالب الحداثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اكتمال الشريعة وحدود العقل - بقلم بلال التليدي
نشر في التجديد يوم 04 - 11 - 2008


كيف نفهم اكتمال الشريعة؟ وكيف نفهم حدود تدخل العقل الاجتهادي؟ وهل كمال الشريعة معناه أن النصوص مستوعبة لكل تفاصيل الحياة؟ وبأي معنى يؤطر النص مجمل المناشط في هذه الحياة؟ وإذا كانت الشريعة قد أجابت وتجيب عن كل المعضلات، فما هو دور العقل والاجتهاد الإنساني؟ أسئلة طرحت أكثر من مرة، وخاض فيها العقل الأصولي، وكان له فيها آراء ومذاهب. تيار الظاهر موقن بأن الوقائع كلها لا تعدم وجود نص تفصيلي يجيب عنها، ويحدد حكمها وأسلوب تدبيرها. وتيار المعنى والمقصد ينظر إلى الشريعة في مجموعها ككليات وقواعد عامة يستثمرها المجتهد، ويحقق مناط النازلة، ويهتدي إلى المعالجة والتدبير. مكان العقل في كلا المذهبين حاضر، غير أن هذا الحضور يختلف ويتباين، فتيار اللفظ ينصرف همه إلى البحث عن النص، فهو لا يغادر ظاهر اللفظ، ومجمل نظره محصور في الدلالات اللغوية، وفي بعض الأحيان في ترتيب الأدلة على النسق المنطقي لتحصيل الحكم. وتيار المعنى والمقصد يولي اهتمامه بالواقعة والمقاصد العامة، ويسكنه بنيتها والعوامل المتحكمة فيها، ويلتمس من القواعد والمقاصد العامة ما يصلح لمعالجتها وحسن تدبيرها. فالعقل عند هذا التيار يتوزع ما بين النظر في الواقع من أجل فهمه وإدراك سننه وتفاصيله، وبين الاختيار الرشيد للمقاصد الشرعية الكفيلة بالمعالجة. العقل الاجتهادي إذن حاضر في المنهجين، غير أن الفرق واضح بين المسلكين. فالعقل حين يحصر نفسه في الدلالات اللغوية يكون همه الأول هو إخضاع الواقع للنص، وهو إخضاع قد يوفق فيه المجتهد، فتقع المناسبة بين النص والواقع، وقد لا يوفق فيضطر للتكلف، وأحيانا يضطر للتنطع لحل المشكلة. مثال ذلك واضح من خلال جزئية فقهية أنتجها الواقع. فلو أن امرأة طلبت الطلاق من زوجها لضرر، ورفض زوجها أن يطلقها، فقه الظاهر هنا يمنع أن يكون التطليق بيد القاضي، بحجة أن الطلاق يكون بيد الزوج، إذ إن جميع نصوص الشرع حسب منظوره تسند الطلاق للأزواج، فلا يحق للقاضي ولا لغيره أن يوقع الطلاق بهذا الاعتبار إلا أن يوقعه الزوج. فقه الظاهر هنا لا يقدم حلا للمشكلة لو امتنع الزوج عن التطليق، وأصر على موقفه، إلا أن يتكلف المجتهد، وينزع إلى تخريجة فقهية متنطعة، يعطي فيها الصلاحية للقاضي لا أن يوقع الطلاق، ولكن ليسجن الزوج ويعزره حتى يطلق!! تمسك بظاهر اللفظ يقود إلى استعمال العنف، ويقود أيضا إلى الإكراه، هذا دون أن يكون لنا ضمانة أن الرجل بعد ذلك سيتنازل عن عناده، ويوقع الطلاق تحت وقع السياط!! تيار المعنى تهمه النازلة بشكل أكبر، يحقق مناطها، فينظر إلى الضرر، ويستثمر قواعد الشريعة وأصولها، فيعلم أن من مقاصد هذه الشريعة رفع الضرر، فيمضي الطلاق بأي طريق كانت، سواء أوقعه الزوج أو القاضي أو بالتراضي والاتفاق أو الخلع. تيار المعنى والمقصد معني بدرجة كبيرة برفع الضرر، وحل مشكلة واقعية يتأذى منها الإنسان، أما تيار الظاهر فمعني بأن لا يتجاوز سقف النص، حتى لو كان مستمسكه ظني الدلالة (في هذه الحالة، الآيات التي يتحدث فقهاء الظاهر عن أن فيها إسناد الطلاق إلى الأزواج كلها ظنية الدلالة تحتمل وتحتمل). فهو في هذه الحالة معني بأن لا يسند الطلاق إلى القاضي، لأن في ذلك اعتداء على النص، واستدراك على الله عز وجل!! لا يلتفت فقه الظاهر هنا إلى المصلحة والضرر، إنه معني بالمحافظة على النص والتزامه، أو هو بعبارة أدق معني بالتزام قراءته للنص وتفسيره له. اكتمال الشريعة عند التيار اللفظي معناه أن الاجتهاد الفقهي والفكري ينبغي أن يبحر في حقل الدلالات اللغوية، وألا يفارق ظاهر النص، ففيه الغنية والكفاية، إذ نستطيع به أن نحل كل الإشكالات والمعضلات ما دام النص يؤطر كل واقعة، أو ليس القرآن هو الذي يقول: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) (النحل 89) ويقول أيضا: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام 38). تيار المعنى والمقصد لا يماحك في دلالات مثل هذه الآيات، غير أنه يقرأها بنحو مختلف. فالآيات في مجموعها، وعند ضم بعضها لبعض، وعند استقرائها في تفاصيلها، تسمح لنا بتحصيل المقاصد الكلية التي نستطيع أن نوظفها لمعالجة كل المعضلات. فقاعدة لا ضرر ولا ضرار المقاصدية مستقرأة من نصوص الشرع في مجموعها، وهي صالحة لتأطير جملة من الوقائع خاصة في مجال البيوع والمعاملات المالية. صحيح أن بعض النصوص التفصيلية التي عللت فيها الأحكام بعللها ومصالحها لا يمكن تجاوزها إلى فضاء المقاصد العامة، لأنها تجيب على الحالة العينية، غير أنها -وبالنظر والتأمل- مندرجة ضمن أطرها الكلية. ملاحظة بصيرة تلك التي تأملها مفكر الإسلام وفيلسوفه محمد إقبال، حين ربط ختم الرسالة واكتمالها برشد البشرية، ورشد آلة نظرها. فاكتمال الرسالة واكتمال الشريعة لا يعني أن العقل البشري قد تحدد مساره مطلقا في التفكير من داخل بنية النص وفضائه اللغوي، بل إن هذا الاكتمال يحمل دلالات أخرى أكثر عمقا. فلم تعد البشرية -كما كانت من قبل- تحتاج إلى رسول يمشي بين الناس ويبين لهم في كل قضية ونازلة سبيل الهدى والحكم الشرعي فيها. رشد البشرية يعني أنها صارت قادرة اليوم، من منطلق النظر في مصادرها الشرعية وفي التجربة النبوية، على حل مشاكلها ومعضلاتها بنفسها. بلغة مالك بن نبي: رشد البشرية معناه أن الإنسان تجاوز مرحلة الطفولة، وصار قادرا على التعامل مع عالم الأفكار مباشرة باستقلال عن وجود الشخص المجسد للفكرة (النبي) إن النصوص لو كانت محيطة بالوقائع على سبيل التفصيل لكان من المطلوب من العقل البشري أن يحصل المطلوب الخبري ومضمون النص وأن يسحبه على الواقعة. إن العقل البشري حينها لن يستطيع أن يقدم أكثر من خدمة النص وتثوير بعض معانيه، لكن من خلال ظاهر اللفظ دون أن يتجاوز هذا السقف. وهي لا شك مهمة مستحيلة، وكثيرا ما تؤول إلى التكلف والتعسف. ولنا أن نتساءل لماذا لم يستطع التيار الظاهري أن يصمد طويلا من الإمام داود رحمه الله إلى أن جاء ابن حزم فأسس قواعده وأصوله. في اعتقادي، انتشار منهج ابن حزم لم يكن بسبب قوة منطق تيار اللفظ والظاهر، بقدر ما كان بسبب قدرة ابن حزم الحجاجية، ودليل هذا الرأي أن فقه أهل الظاهر حيي مرتين ومات ميتتين، حيي بالإمام داود وابن حزم، ومات بموتهما. اكتمال الشريعة بالمعنى العقلاني، الذي يعطي للعقل الاجتهادي في الإسلام موقعه الاعتباري، هو أن نعتقد أن الشريعة لم تفصل لكل الوقائع حكمها الخاص بها، وإنما وضعت الأسس والقواعد العامة التي تندرج فيها وتحت حكمها كل الوقائع والنوازل المستجدة. وبهذا المعنى يصير للعقل الاجتهادي مجال أرحب، ويصير لمعنى الرشد الإنساني مدلوله الحقيقي، إذ حينها لن يكون دور المجتهد هو إبصار النص فقط من داخل فضائه اللغوي، وإنما تزدان مهمته بوظائف أخرى، تشمل فقه الواقع، واستقراء كل نصوص الشرع لتحصيل مقاصده وقواعده، ثم التفكير في طرق التنزيل. العقل الاجتهادي حينها سينفتح على كل المفاهيم المعينة له في طريقه، سيجد نفسه يتقاطع مع علم النفس وعلم الاجتماع وعلوم السياسة والأنثروبولوجيا وغيرها من المناهج التي تشتغل على فهم الظاهرة الإنسانية والاجتماعية. لكنه في الحالة الأولى -أي عند التيار اللفظي- سيجد نفسه خصيما لكل هذه العلوم والمناهج، إذ سيرى أنها تنازعه المشروعية، وكأنها تطعن في مفهوم اكتمال الشريعة، وتستدرك على الله عز وجل. مطلوب إذن، وفق هذه المقاربة، أن نبصر خطورة بعض المفاهيم التي يمكن أن يتمترس حولها الخطاب الفكري والسياسي لأهل الغلو. إن تحليل هذه المفاهيم وتفكيكها يسهم لا محالة في كشف تناقضات هذا الخطاب، خاصة في الحقل السياسي، حينما تستعار مثل هذه المفاهيم كقوة قهرية تحكمية تصادر آراء الناس واجتهاداتهم.

انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.