مع حلول سنة 2026، يعود الإنسان إلى سؤالٍ قديمٍ جديد: أين مضى العام؟ كيف انقضت الشهور بهذه السرعة؟ لماذا نشعر أن الوقت يتآكل على عجل، كأن الأيام لم تعد كما كانت؟ تزداد هذه الأسئلة إلحاحًا كلما تسارعت وتيرة الحياة، وتراكمت الانشغالات، وتزاحمت الأحداث. لكن خلف كل هذا هناك قلق وجودي صامت: هل نُدرك حقًا ما معنى الزمن؟ ليس هناك شيء نتعامل معه أكثر من الزمن، ومع ذلك لا نكاد نفهمه. نراقبه في عقارب الساعة، ونسجله في "الأجندات"، ونشعر به في ملامحنا التي تشيخ وأجسادنا التي تنحلّ. ومع ذلك، لا أحد رأى "الزمن" حقًا، ولا أمسَكه، ولا استطاع أن يُعرّفه إلا بوصفه مرورًا لما لا يمكن إيقافه. لكن القرآن الكريم، حين يتحدث عن الزمن، لا يتعامل معه كمجرى طبيعي لحياتنا، بل يُفككه، ويُعلّقه، ويُعيد توزيعه، ويقدمه باعتباره مخلوقًا من مخلوقات الله، خاضعًا لمشيئته، قابلاً للقبض والبسط، متعدّد السرعات، متحوّل المعايير. في عالم الإنسان، نعيش وفق تقويم واضح: يوم من أربع وعشرين ساعة، وأسبوع، وشهر، وسنة. لكننا نُفاجأ حين نقرأ في القرآن أن يومًا عند الله قد يكون ألف سنة مما نعدّ (السجدة: 5)، أو خمسين ألف سنة (المعارج: 4). ثم نقرأ في مشهد القيامة أن الناس، حين يُبعثون، يقولون إنهم لم يلبثوا إلا "ساعة من نهار" (يونس: 45)، أو "يومًا أو بعض يوم" (المؤمنون: 113). فما الذي يحدث هنا؟ وكيف يمكن أن تكون الحياة، بكل ما فيها، قابلة لأن تُختزل في ساعة؟ هذا السؤال كان مدار تأملات الدكتور مصطفى محمود، الذي رأى أن القرآن لا يتعامل مع الزمن بوصفه رقمًا على الورق، بل ك"كائن" نسبي، يعيش كل مخلوق في تقويمه الخاص، ويُبعث بعد الموت إلى تقويم آخر، فالإنسان يعيش وفق زمن دنيوي محدود، وأن ما نحسبه دهورًا يمكن أن يُطوى لحظة. بل إن الزمن، كما يُقدمه القرآن، يختلف باختلاف المخلوق، والمقام، والغرض. الروح – كما في سورة المعارج – تعرج في يوم مقداره خمسون ألف سنة، بينما ملائكة التدبير ومنهم جبريل عليه السلام يصعدون ويهبطون في يوم يعادل ألف سنة، أما الله، سبحانه، فلا يجري عليه الزمن أصلًا، لأنه خالق الزمان والمكان، "هو الأول والآخر"، لا يبدأ ولا ينتهي، ولا يشيخ ولا يتغير. الأمر لا يتوقف عند تفاوت الزمن بين الكائنات، بل يتجاوزه إلى ما هو أعجب: إعادة تشكيل الزمن نفسه في الموقف الواحد. حين نام أهل الكهف ثلاثمائة سنة، ثم بُعثوا، قالوا: "لبثنا يومًا أو بعض يوم". وعُزير حين أماته الله مئة عام، ثم بعثه، قال: "لبثت يومًا أو بعض يوم". كيف يختزل قرن من الزمان في بضع ساعات؟ الجواب واضح: الزمن في ذاته خاضع لسلطان الله، وهو، سبحانه، قادر على أن يمدّه أو يقبضه بحسب إرادته. بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن يوم القيامة، رغم كونه يومًا طويلًا "مقداره خمسون ألف سنة"، فإنه ينقضي على المؤمن كغروب الشمس. أما على الكافر، فيمتد ثقيلًا، خانقًا، يمرّ عليه كما تمرّ خمسون ألف سنة حقيقية، بكل ما فيها من خوف وانتظار وحساب. فالزمن في الآخرة لا يُقاس بالدقائق، بل بالحالة الشعورية للمخلوق. هذه المفارقة التي بيّنها مصطفى محمود تؤسس لفهم مختلف تمامًا للزمن. الزمن ليس خطًّا مستويًا، بل نسيج متعدد الأبعاد. ما نحياه نحن في لحظات، قد يكون في عوالم أخرى دهرًا، والعكس صحيح. وما يُعدّ لنا مستقبلاً، قد يكون في علم الله "حدثًا ماضيًا". بل إن أحداث يوم القيامة نفسها، رغم كونها آتية، يُعبّر عنها بالفعل الماضي في مواضع متعددة: "وُضِع الكتاب"، "نُفخ في الصور"، "بُرِّزت الجحيم"، لأن الله يرى الزمن كله دفعة واحدة، لا يُحجَب عنه شيء. وإذا عدنا إلى تأملات الدكتور مصطفى محمود، نجده يربط هذه الرؤية بالنسبية العلمية، التي تقول إن الزمن يتباطأ أو يتسارع تبعًا للسرعة والجاذبية. فكل نظام حركي له تقويمه، وكل انتقال بين أنظمة كونية يعني تبدلًا في الزمن. وهذا ما يفسر التفاوت بين الأزمنة في القرآن: بين الإنسان، والملائكة، والروح، والخلق جميعًا. القرآن لا يحدثنا عن الزمن فقط، بل يربينا على التعامل معه كأمانة وجودية، لا كحق مكتسب. كل لحظة، مهما بدت تافهة، قد تكون في التقويم الإلهي أغلى من العمر كله. من الناس من يعيش ثمانين سنة دون أن ينتبه، ومنهم من تُحدث لحظة واحدة في قلبه انقلابًا لا يصنعه عمر بأكمله. ومن ثم، فإن الخسارة الحقيقية – كما ختمت الآية في سورة يونس – هي: "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين". فالذين كذبوا بلقاء الله، لم يعترفوا بتقويم آخر غير تقويمهم، ولا حساب بعد أفول أعمارهم، فكانت النتيجة أن خسروا الزمن والنجاة معًا، لا لأنهم لم يُعطوا الوقت، بل لأنهم لم يُدركوا قيمته. إن ما حاول الدكتور مصطفى محمود أن يقوله على مدار سنوات، وما عبّر عنه القرآن ببلاغته الخارقة، يمكن تلخيصه في عبارة واحدة: الوقت ليس رصيدًا نستهلكه، بل أمانة نُسأل عنها لحظة بلحظة. وحين يُفتح الكتاب، ويُقال: "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا"، سندرك عندها أن كل لحظة ضاعت، كانت قسطًا من العمر لا يعود، وكل تأجيل، كان خديعة زمنيّة مغطاة بوهم الطول. في نهاية المطاف، ليس الزمن ما يمضي بنا. نحن الذين نمضي فيه، حتى إذا بلغنا منتهاه، قيل لنا: "لبثتم إلا قليلاً... لو أنكم كنتم تعلمون".