أفادت المديرية العامة للأرصاد الجوية بأنه يُرتقب تسجيل مدّ بحري مرتفع بالسواحل الأطلسية يتراوح بين 3 و3.8 أمتار، خاصة خلال الصباح الباكر والمساء، بالتزامن مع رياح قوية أحيانا من القطاع الغربي ستهم السواحل الأطلسية والمضيق والسواحل المتوسطية، وقد تستمر إلى غاية زوال يوم الأحد 25 يناير الجاري. وفي هذا السياق تبرز ضرورة فهم العوامل الجوية المؤدية إلى تشكل الرياح القوية خلال هذه الفترة، مع إبراز المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن هذه الظروف على السلامة العامة والأنشطة البحرية والساحلية، وكذا الاحتياطات الواجب اتخاذها للحد من آثارها السلبية وحماية الأرواح والممتلكات في ظل هذه الظرفية الجوية الاستثنائية. محمد بازة، خبير دولي في الموارد المائية، قال إن "المعطيات الصادرة عن الأرصاد الجوية بالمغرب تشير إلى وجود منخفض جوي أطلسي عميق يتمركز قبالة السواحل المغربية"، موضحًا أن "هذا النوع من المنخفضات يتميز بانخفاض كبير في الضغط الجوي داخله، ما يجعله أكثر حدّة مقارنة بحالات الضغط المرتفع، وهو ما يفسر امتداد تأثيراته إلى مختلف مناطق البلاد، بحكم قربه من السواحل الوطنية". وأوضح المتحدث ذاته، في حديثه لهسبريس، أن "هذا المنخفض الجوي كان السبب الرئيسي في أمطار الخير التي عرفها المغرب طيلة شهر دجنبر الماضي، واستمر تأثيره خلال الفترة الحالية، إذ ساهم في تسجيل كميات مهمة من التساقطات المطرية"، مضيفًا أن "هذه الوضعية رافقتها تيارات هوائية باردة، غالبًا ما تكون محملة بالرطوبة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وهو ما يفسر الأجواء الباردة التي سادت خلال هذه المرحلة". وأشار الخبير الدولي في الموارد المائية إلى أن "هذه الوضعية الجوية تكون غالبًا مصحوبة برياح قد تتراوح بين المعتدلة والقوية"، مبرزًا أن "فترة استمرار هذا المنخفض لم تعرف دائمًا رياحًا شديدة، بل كانت في أحيان كثيرة عادية أو ضعيفة، غير أنه كلما ازدادت حدّة المنخفض وأصبح أكثر عمقًا تتشكل تيارات هوائية قوية تؤدي إلى رياح شديدة جدًا، وقد ترافقها أحيانًا أمطار عاصفية قصيرة المدة". وفي هذا السياق أورد بازة أن "الحالات القصوى قد تشهد تساقطات مطرية تصل إلى 100 مليمتر في اليوم أو أكثر، وقد تتجاوز أحيانًا 200 أو 300 مليمتر إذا كانت متواصلة، وهي كميات لها تأثيرات كبيرة، خاصة إذا كانت مصحوبة بالرياح التي قد تصل سرعتها إلى حوالي 100 كيلومتر في الساعة أو أكثر على مستوى السواحل المغربية". وأضاف المتحدث ذاته أن "هذه الرياح القوية تؤثر بشكل مباشر على البحر، إذ تتسبب في تشكل أمواج عالية نتيجة اندفاع الرياح من وسط المنخفض الجوي بسرعة كبيرة"، متابعا بأن "طول المسافة التي تقطعها الرياح يساهم في زيادة كثافة الأمواج وارتفاع علوها، وقد تصل إلى ستة أو ثمانية أمتار، خصوصًا في شمال المحيط الأطلسي، حيث تتولد هذه الاضطرابات الجوية القوية". وأكد الخبير نفسه أن "هذه الأمواج تشكل خطرًا حقيقيًا على الملاحة البحرية والسواحل"، مردفا بأن "السبب الرئيسي في تشكل الرياح القوية يعود إلى الفرق الكبير في الضغط الجوي بين مركز المنخفض والمناطق المجاورة ذات الضغط المرتفع، وهو ما يؤدي إلى توليد رياح شديدة تكون بدورها مسؤولة عن ارتفاع الأمواج ودفعها بقوة نحو الشاطئ". وختم محمد بازة تصريحه بالتشديد على ضرورة "الالتزام التام بالنشرات الإنذارية الصادرة عن الأرصاد الجوية والمؤسسات المختصة، والعمل بها بشكل صارم، لما تتضمنه من تحذيرات مرتبطة بالصيد البحري ودخول البحر والسباحة"، داعيًا إلى "تجنب الاقتراب من السواحل خلال هذه الفترات، نظرًا لما قد تشكله من مخاطر على الأشخاص والأنشطة والممتلكات القريبة من الشواطئ". من جانبه أوضح أحمد بوحامد، أستاذ باحث في قضايا الماء والبيئة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء، أن "الساحل الأطلسي المغربي يتأثر في فصل الشتاء عادة بمرور منخفضات جوية تؤدي إلى تشكل أمواج بحرية اعتيادية، غير أن الأيام الأخيرة من شهر يناير الجاري تميزت بمرور منخفضات جوية أطلسية قوية، مصحوبة بعواصف بحرية، أسفرت عن ارتفاع ملحوظ في علو الأمواج، إذ تجاوزت في بعض المقاطع الساحلية، ولا سيما بين الدارالبيضاء والمحمدية، ستة أمتار، ما يعكس قوة الاضطراب الجوي والمحيطي الذي يعرفه شمال المحيط الأطلسي في هذه الفترة". وأضاف بوحامد، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن "ظاهرة الأمواج الكبيرة التي يشهدها الساحل الأطلسي المغربي في الفترة الحالية يمكن ربطها بالنشاط الجوي القوي شمال المحيط الأطلسي، حيث تشكلت منخفضات جوية عميقة مصحوبة برياح عاتية ومستمرة، وهذه الرياح، الناتجة عن فرق كبير في الضغط الجوي، تعمل على نقل طاقتها الحركية إلى سطح المحيط، ما يؤدي إلى توليد أمواج عالية الطاقة وطويلة المدى تعرف علميا بالأمواج المحيطية الطويلة". وأشار الأستاذ الباحث في قضايا الماء والبيئة إلى أن "هذه الأمواج تتميز بقدرتها على الانتقال لمسافات شاسعة عبر المحيط دون فقدان كبير لطاقتها، ما يجعلها تصل إلى السواحل المغربية حتى في غياب اضطرابات جوية محلية قوية"، مؤكّدا أنه "عند اقترابها من الساحل تتعرض هذه الأمواج لعملية تضخيم طبيعي بفعل نقص عمق المياه واتساع الرصيف القاري، فتزداد ارتفاعا وقوة قبل أن تنكسر بعنف قرب الشاطئ". وبالإضافة إلى هذه التفسيرات ذكر أحمد بوحامد "الانفتاح الكامل للساحل الأطلسي المغربي على المحيط وغياب الحواجز الطبيعية الكبرى في استقبال هذه الأمواج بشكل مباشر، خاصة في مدن مثل الدارالبيضاء وآسفي والصويرة وأكادير"، موردًا أن "المختصين في علم المناخ يرون أن التغيرات المناخية العالمية تلعب دورا غير مباشر في زيادة تواتر وحدة هذه الظواهر، عبر تعزيز شدة العواصف الأطلسية واضطراب أنماط الضغط الجوي، ما يجعل الأمواج القصوى أكثر حضورا خلال فصل الشتاء".