يقابل محمد عرة، سبعيني من دوار أولاد شكور بإقليم القنيطرة، واقعه الحالي بكثير من الإيمان والرضا، حيث يرى أن نقله بصحبة أبنائه وأحفاده وسكان بلدته إلى المخيم الميداني المجهز بتراب جماعة أولاد سلامة بنفس الإقليم، يتكامل مع المجهود العمومي المبذول لمواجهة المخاطر المرتبطة بالفيضانات التي تشهدها مناطق الغرب، وتفاديا لأي عواقب وخيمة. التقينا في هسبريس بمحمد عرة داخل هذا المخيّم الذي تم نصبه بمحاذاة مقر قيادة أحواز القنيطرة، حيث يقيم رفقة المئات من أقربائه ومواطني أولاد شكور وأولاد سيدي عياش، منذ الأحد الماضي، وذلك تفعيلا لحزمة إجراءات احترازية اقتضتها الظرفية المناخية الصعبة المسجلة بعموم مناطق الشمال الغربي للبلاد. وسارعت السلطات المحلية والإقليمية للقنيطرة إلى تجهيز هذا المخيم، الذي يُقدَّر عدد قاطنيه بأكثر من ألف وخمسمائة مواطن تقريبا، وكان يضم إلى حدود أول أمس الثلاثاء 413 خيمة، قبل أن تلتحق به وحدات من القوات المسلحة الملكية، التي باشرت تقديم مختلف الخدمات الأساسية لقاطنيه. وبالرغم من حداثة إنشائه، سرعان ما دبّت الحياة في أرجاء المخيم، في ظل حضور فئات عمرية مختلفة، تتقدمها فئة الأطفال والشباب، إلى جانب الأمهات اللواتي يحاولن التكيّف مع واقع جديد يفرض عليهن قدرا كبيرا من الانضباط، خاصة وأن غالبيتهن يخضن تجربة الرحيل المؤقت عن مقر الإقامة للوهلة الأولى. مستقر جديد يتحدث محمد عرة للجريدة عن أسباب وجوده بالمخيم وطريقة وصوله إليه، قائلاً: "أتت بنا السلطة إلى هذا المكان، بعدما تكفلت بنقلنا ونقل أبنائنا جميعا، خوفًا من أضرار محتملة للفيضانات بدوارنا المسمى أولاد شكور بجماعة المكرن". وأضاف موضحًا: "لقد تكفلت السلطة بكل شيء، من الأفرشة إلى المأكل والمشرب، والوضع جيد الآن، ولم نكن مترددين في التجاوب مع التوجيهات الرسمية منذ نهاية الأسبوع الماضي. ومبْغيناشْ أصلًا نبقاو تماك إيلا كان غيشكل خطورة علينا". ويساهم هذا المخيم الذي يضم تشكيلة من الخيام الزرقاء المرموزة بعلامات بيضاء محددة، إلى جانب مخيمات مماثلة أخرى منجزة بسهل الغرب، في استيعاب المواطنين المرحّلين على مستوى الإقليم، الذين بلغ عددهم 14 ألفا و133 مواطنا، من أصل 108 آلاف و423 مواطنا معنيين بخطر الفيضانات على الصعيد الوطني، وعلى رأسها مدينة القصر الكبير. وبمحاذاة المخيم المكور، حطّت وحدة من القوات المسلحة الملكية رحالها، وتضم آليات ثقيلة ومعدات لوجستية، تساهم في تموين الأسر بالمأكل، وفقا للبروتوكولات المضبوطة التي يتم اتباعها عند التدخل للاستجابة للمتضررين من كوارث طبيعية أو ظروف قاسية معينة. بعيداً عن الخطر على غرار محمد عرة، تصرح مريم، امرأة يُرجّح أنها في عقدها السادس وتنحدر من دوار أولاد شكور بإقليم القنيطرة، بأن "نقل الساكنة إلى المخيم يظل الخيار الأفضل". وتضيف: "حللنا هنا مساء الأحد، وقد وفّروا لنا وسائل النقل من هناك. أتينا مع عائلاتنا وأبنائنا، ونحن اليوم نحاول التكيّف مع واقعنا الجديد". من جهته، يقول خالد، أحد المقيمين بالمخيم: "وفّروا لنا كل شيء إلى حدود الساعة، منذ أن جئنا من جماعة المكرن مساء الأحد الماضي، التي تركناها وراءنا. الأمور تسير على ما يرام"، مشيرًا إلى أن "سيناريو البقاء بمساكننا كان سيكون صعبًا وغير محسوب العواقب". عطفاً على ذلك، أفادت مصادر من السلطة المحلية بأنه "يتم العمل على تنسيق سير وإدارة المخيم بالشكل المطلوب، حيث تتوزع الأسر على الخيام بشكل شبه متساوٍ، ويبلغ عدد القاطنين ببعضها حوالي خمسة أفراد"، مؤكدة في الآن ذاته "التحاق دفعة أخرى من المواطنين بالمخيم بعد الدفعة الأولى التي نُقلت مساء الأحد الماضي". وتتقاطع تصريحات ساكنة مخيم سبت أولاد سلامة بإقليم القنيطرة حول التأكيد على غياب أي خيار بديل عن مغادرة مسقط الرأس والانتقال إلى المخيم، في ظل التخوفات المرتبطة بارتفاع منسوب وقوة السيول الناتجة عن وادي سبو ووادي بهت وأودية فرعية أخرى، بعدما اخترقت المياه الحقول وغمرت مساكن بعدد من دواوير جماعة المكرن، كما حدث بدوار الأحد أولاد جلول. "تعبئة تحصّن الأرواح" منتظرين إيجاد صيغة لاستئناف الدراسة، لم يُفوّت الأطفال المقيمون بالمخيم الفرصة لابتكار أنشطة تُخفف من وطأة مغادرة منازلهم، في تجربة غير مسبوقة بالنسبة إليهم، في حين أن بعضهم كانوا انتقلوا رفقة أسرهم إلى مدن مجاورة، تفاديا لمخاطر محتملة. ولرسم صورة أوضح عن طبيعة الوضع بسهل الغرب، واصلت هسبريس التقدم في اتجاه جماعات قروية مجاورة، حيث التقت في مع تشكيلة من الآليات الثقيلة الخاصة بالقوات المسلحة الملكية، التي انخرطت في عملية إجلاء المواطنين وتأمين حاجيات مراكز الإيواء الجماعية. ومن أجل تعزيز طاقة الاستقبال لفائدة المتضررين، أقامت السلطات الإقليمية مخيمًا آخر للإيواء على مستوى سوق الأحد أولاد جلول، استقبل بدوره المئات من المواطنين المنحدرين من جماعة المكرن؛ كما جرى الشروع في إقامة مخيم إضافي بمحاذاة مركز التأهيل الفلاحي بسيدي علال التازي. وينضم إقليما القنيطرة وسيدي قاسم إلى أقاليم أخرى تعيش، منذ الأسبوع الماضي، على وقع استنفار مؤسساتي وشعبي غير مسبوق، في ظل مخاوف من ارتفاع حمولة وادي سبو وواد بهت، لاسيما وأن السيول تسببت، منذ الإثنين الماضي، في غمر آلاف الهكتارات من الحقول والأراضي الفلاحية.