لا تحتاج هذه اللحظة إلى كثير من التحفّظ. ما تتعرض له إيران يتجاوز جولة عسكرية عابرة أو ضغطًا تكتيكيًا لتحسين شروط التفاوض؛ نحن أمام عملية تفكيك ممنهجة لبنية حكم استمرت أكثر من أربعة عقود. وفي قلب هذه البنية كان المرشد الإيراني علي خامنئي، بصفته العُقدة التي ربطت الشرعية الدينية بالقرار الأمني، ووفّرت للحرس الثوري غطاءً سياسيًا، ومنحت "مجلس خبراء القيادة" وظيفة شكلية أكثر ممّا منحته قدرة فعلية على ضبط المسار. قبل أكثر من ثمانية أشهر، كُتب في هذه الزاوية أن اغتيال المرشد الإيراني مسألة وقت، وأن نهاية "نظام الملالي" لم تعد فرضية بعيدة، بل مسارًا يتشكّل ببطء تحت ضغط الضربات العسكرية، والاختراقات الأمنية، وانهيار الحزام الإقليمي الذي أحاط بطهران لعقود. يومها، بدا الكلام لكثيرين تقديرًا متشددًا أو قراءة متسرعة لمشهد متحرك. اليوم، لم يعد الأمر تقديرًا، فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب صراحة مقتل علي خامنئي، واصفًا إياه في منشور على "تروث سوشال" بأنه "أحد أكثر الأشخاص شرًا في التاريخ". إعلان ترامب لا يضيف مجرد تفصيل إلى خبر متداول؛ إنه يضع نهاية خامنئي في قلب الهدف السياسي للعملية العسكرية. فلم يعد الحديث مقتصرًا على منشآت نووية أو مصانع صواريخ أو منصات إطلاق، بل انتقل إلى استهداف قمة النظام وإسقاطه. وتبقى حقيقة واحدة أكثر رسوخًا من أي بيان: خامنئي كان قد دخل مرحلة أفوله السياسي قبل هذه الليلة. القادة لا يموتون فقط حين تتوقف قلوبهم، وإنما حين تنفصل خياراتهم عن مجتمعاتهم، وحين تتحول السلطة من أداة إدارة إلى أداة قمع، ومن خطاب دولة إلى خطاب تحدٍّ فارغ للواقع. منذ 1989، أدار خامنئي الجمهورية الإسلامية بمنطق البقاء قبل الإصلاح. تجاوز احتجاجات الطلاب عام 1999، واحتجاجات 2009، وقمع انتفاضة 2019 الاقتصادية، ثم واجه حركة "امرأة، حياة، حرية" بأقصى درجات الحسم الأمني. في كل مرة، ربح وقتًا إضافيًا، لكنه لم يعالج "الجُرح الإيراني": اقتصاد منهك بالعقوبات وسوء الإدارة، طبقة وسطى تتآكل، جيل شاب لا يرى في اللغة العقائدية تفسيرًا لأزماته اليومية، ونساء يطالبن بحقوقهن خارج كل خطوط النظام الحمراء. أما ما فعله خامنئي بإطلاق الصواريخ والمسيّرات نحو دول مجاورة، فيكشف وجهًا آخر من سلوك طهران الإقليمي القائم على توريط الجوار في معاركها الخاصة ومقامرة بأمن المنطقة بأسرها. هذه ليست المرة الأولى التي تُدفع فيها عواصم عربية ثمن حسابات "نظام الملالي"، لكن منطق "إذا ضُربنا نضرب الجميع" لا يعكس قوة، بل يعكس عجزًا عن حصر المواجهة في إطارها المباشر. هكذا أدار خامنئي سياسة حافة الهاوية: توسيع دائرة النار أملًا في خلق توازن ردع، ولو كان الثمن زعزعة استقرار المنطقة بأكملها. وحين كتبنا أن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني مسألة وقت، لم يكن المقصود التنبؤ بعملية بعينها، وإنما قراءة اتجاه يضغط من الخارج والداخل في آن. الاختراقات الأمنية التي ظهرت آثارها في اغتيالات نوعية، واستهداف قيادات في الحرس الثوري ومسؤولين كبار في البرنامج النووي، والتآكل المتراكم في أدوات النفوذ، كلها جعلت رأس النظام هدفًا محتملًا لا "خطًا أحمر" دائمًا. لكن إدماج "مقتل خامنئي" في معادلة "سقوط نظام الملالي" يحتاج قدرًا من الحكمة، لأن موت الرجل لا يساوي تلقائيًا ولادة دولة جديدة، كما أن انهيار القمة لا يضمن سقوط البنية. صحيح أن الجمهورية الإسلامية لم تُبنَ كنظام تداولي قابل لتجديد شرعيته عبر السياسة، بل كهيكل هرمي يتمحور حول المرشد، وصحيح أن القرار النهائي كان يمر من مكتب خامنئي: سقف السياسة الخارجية، حدود اللعبة الداخلية، ضبط التوازن بين أجنحة السلطة، وتحديد المسموح والممنوع في المجتمع. غير أن انهيار الرأس يفتح ثلاثة أبواب متنافسة، لا بابًا واحدًا. الأول: محاولة سريعة لإعادة إنتاج السلطة من داخل الدائرة الضيقة، عبر "مجلس خبراء القيادة" أو عبر تفاهم تفرضه القوة على الورق، مع تشديد أمني واسع تحت شعار "العدوان". هذا السيناريو يحافظ على الشكل، لكنه لا يُطفئ أسباب السخط، وقد يشتري وقتًا قصيرًا بثمن سياسي أكبر. الثاني: صراع داخل المؤسسة يطول، تتنافس فيه الأجنحة على الشرعية والسلاح والموارد، ما يضعف الدولة ويخلق فراغًا تتسع فيه الاضطرابات. في دولة تملك بنية عسكرية معقدة، هذا السيناريو يرفع المخاطر على الداخل والإقليم معًا. الثالث: انتقال مُدار، يُدرك فيه جزء من النخبة أن بقاء الدولة يقتضي مراجعة عميقة: إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة والمجتمع، تخفيف القيود الاجتماعية، فتح المجال السياسي تدريجيًا، والانخراط في تسوية خارجية جدية تقلل ضغط العقوبات. هذا المسار هو الأصعب، لكنه الأكثر قدرة على تجنيب البلاد دورة عنف طويلة. في المقابل، لا يجوز الوقوع في وهم أن أي بديل مطروح في الخارج يشكل تلقائيًا مخرجًا معقولًا. التصريحات الصادرة عن رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، التي اعتبر فيها أن الجمهورية الإسلامية ستدخل "مزبلة التاريخ"، تعكس خطابًا انتقاميًا أكثر ممّا تقدم مشروعًا سياسيًا قابلًا للحياة داخل مجتمع تغيّر جذريًا منذ 1979. استدعاء نموذج ما قبل الثورة لا يشكل في ذاته ضمانة لانتقال ديمقراطي، ولا يبدو حتى الآن أنه يحظى بإجماع وطني داخل إيران. فالبديل المعقول لا يُفرض من المنفى، ولا يُستمد من الحنين، بل يُبنى عبر توافق داخلي يراعي تعقيدات المجتمع الإيراني وتوازناته. الرهان، في السيناريو الذي يتقدّم الآن، ليس على "مجلس خبراء القيادة" بقدر ما هو على وعي المجتمع الإيراني وقدرته على منع سقوط الدولة مع سقوط النظام. الشارع الإيراني ليس كما كان قبل عقدين. احتجاجات 2009 كانت سياسية في جوهرها، واحتجاجات 2019 مطلبية اقتصادية، وحركة "امرأة، حياة، حرية" كانت وجودية تمس شكل الحياة نفسها. جيل جديد لم يعد يخاف كما كان يخاف آباؤه، وذاكرة القمع لم تمنع تكرار الانفجار. هذا المجتمع قد يرى في غياب خامنئي فرصة تاريخية، لكنه قد يتردد إذا شعر أن لحظة التغيير تُدار من الخارج بالكامل. الحس الوطني في إيران عميق، وأي انتقال يُصوَّر على أنه استجابة لتدخل عسكري خارجي قد يضعف شرعية القوى التي تسعى لقيادته، أو يخلق مقاومة داخلية له. في المحصلة، إعلان ترامب مقتل خامنئي يمنح هذه الحرب عنوانًا واضحًا: إسقاط رأس النظام جزء من الهدف، لا مجرد "نتيجة جانبية". غير أن اليوم التالي هو الامتحان الحقيقي. المنطقة كلها ستُحاكم هذه اللحظة على ما ستُنتجه: دولة إيرانية تُعاد صياغتها بعقلانية واحتواء وتوازن، أم فراغ يُطلق سلسلة أزمات تتجاوز الحدود. التاريخ لا يرحم اللحظات الضائعة. وإذا كانت نهاية "نظام الملالي" قد دقّت كما أعلن البيت الأبيض، فإن ساعة الدولة الإيرانية بدأت الآن.