لم يعد بمستطاع أحد، بعد خطاب العرش، أن ينكر أن قطاع الأمن هو الحليف الأول للملك بالمغرب، والوحيد الذي يحظى برضاه وعطفه، على عكس الباقي من أحزاب سياسية، ونخب، وإدارة عمومية، وموظفين...إذ لم يتوان الملك عن دعوة المواطنين إلى الافتخار بأمن بلادهم، ورفع هذه الدعوة إلى مستوى الواجب، واجب تقديم الاحترام للأمن...مناسبة هذا الكلام هو أحداث الريف الأخيرة، التي جعلت المحتجين السلميين في مواجهة مباشرة مع الأمن بكل عتاده بعد "انسحاب" الجميع. إن التنويه بما هو أمني، في غياب "شرعية ديمقراطية"، لضبط ديناميات داخلية، يفتح باب التخوفات من تحول الأجهزة الأمنية إلى مؤسسات سياسية. لم يعد بمستطاع أحد أن يردد كلاما من قبيل أن الملك غير راضٍ عن تعاطي الأمن مع المحتجين، أو أنه ليس له علم بما يقوم به هذا الأخير، أو أن التقارير التي ترفع له غير دقيقة بعدما أكد في خطابه، بعد التزامه الصمت لوقت ليس بالقصير، أن هناك رؤية واحدة ووحيدة تحكم قطاع الأمن، إذ لا مجال لصقور وحمائم، أو لأجنحة وصراعاتها، ومن يعتقد ذلك فهو عدمي... لم يترك الملك الباب مواربا أمام فرضية تدارك وتصويب أخطاء هذا القطاع الواردة والمحتملة، بل شمله بحصانته، وتبنى مجمل نشاطه دون ترك أي مسافة إزاءه في زمن الانحسار. لم يعد بمستطاع أحد أن ينكر على الملك تذمره من الشارع الذي بدأ يتبنى قضايا الناس من دون تمثيلية أو وساطة، ليصبح الملك أمام الشارع، بعد حصول طلب كبير من هذا الأخير للتدخل والإنصاف. لكن التنويه بالمجهود الأمني كان لافتا للانتباه، لاسيما على مستوى وقوفه في وجه الشارع بصرف النظر عن الحصيلة، والتي لا يمكن الرهان على استمرارية "الفوائد" المرتبطة بتلك الأدوات الأمنية على المدى القصير. لم يعد بمستطاع أحد أن ينكر على الملك حسمه للنقاش الذي ينطلق عشية كل تدخل أمني لتفريق مظاهرات أو احتجاجات، وانتصاره لشرعية عمليات التدخل، رغم ما يمكن أن يكتنف هذا التدخل من أخطاء جسيمة، وما يمكن أن يفقدها القبول الشعبي والشرعية، حتى أضحى دعم الأدوات الأمنية ضرورة وجودية، إذ لا مجال للاعتراف بمعاني ومضامين التقصير، فمجمل الضحايا الذين سقطوا في ظروف مشابهة لم تجر بشأنهم تحقيقات مقنعة للرأي العام وللحركة الحقوقية تحتكم للقانون ولا شيء غيره. لم يعد بإمكان أحد أن ينكر على الملك توليه الدفاع عن قطاع باتت تحكمه علاقات الجفاء والبرود مع المواطنين، فاقدا لثقتهم، مادام الاعتماد عليه من لدن النظام يتم بطريقة خانقة وسلطوية، الأمر الذي يجعل الوضع السياسي يلقي بظلاله على المؤسسة الأمنية وفي مقدمتها قوات الأمن، من قبيل طرح سؤال "من حضَّر بشكل مبيت من أجل قمع مسيرة 20 يوليوز رغم انعدام أي مؤشرات بأنها كانت ستخرج عن السلمية المعتادة. لم يعد بإمكان أحد أن ينكر على الملك تزكيته للقوة الأمنية، والتي يفهم منها تزكية لعملها السابق والمستقبلي، واستبعادا لأي محاولة للمحاسبة، سواء أكان فردا أو وزارة أو جهازا...رغم التجييش الأمني المبالغ فيه واستمرار الاعتقالات والتربص بأي شكل من أشكال الاحتجاج، حتى أمسى الوضع أقرب إلى تكافل عضوي بين الأمن والملك. إنها مرافعة غير مسبوقة لصالح الأمن، لا تحتمل الغمغمة والتضليل، وتنفي وجود مقاربة أمنية لحراك الريف، وأن الأمر لا يعدو أن يكون تطبيقا للقانون... "نعم إن الأمن مستتب لكن جميع القيم مهدورة" هكذا كتب نجيب محفوظ سنة 1973، أما اليوم فلا يمكن أن يُستتب الأمن رغم هدر كل القيم ... *أستاذ العلوم السياسية بجامعة الملك السعدي بطنجة