البروتوكول في البلاطات الملكية ليس مجرد احتفالية بسيطة، أو طقس يحيل على وجوب ترك مسافة تجاه الرعايا، وترسيخ الحدود، والتذكير بها، والتركيز على الفروق والتفاوتات مهما كانت بسيطة، أو فضاء فسيحا للفرجة والظهور الملكي، بل أداة للهيمنة، لتوجيه الرسائل، لأن الشعب، في نظر هذه الملكيات، لا يؤمن بسلطة فعلية ما لم تتمظهر في تجليات خارجية، ولأن الإيمان بها يجب أن يكون ملموسا ومرئيا، كما أنه بالنسبة للرعايا، من يحكمهم يجب أن يكون واحدا، وهذا الواحد يجب أن يكون أعلى، بطريقة أخرى أن يكون فوق الآخرين، وأن لا يقوم أي كان بخلطه وتشبيهه، ومقارنته بشخص آخر، أو منعه من أقل علامات التميز للتفوق عن الباقي، ومن ثم البلاط هو بنية للهيمنة، لإبراز التميز، مادام هذا الأخير ليس مجرد قطاع لحقل عمل الملك، بل نواة نظام الهيمنة عبر وساطة يسود فيها الملك في كل أرجاء المملكة. حقل الهيمنة يُفَكّٓر فيه كشبكة بشرية مترابطة تتحرك في اتجاه محدد بعضها مع بعض، وبعضها ضد البعض الآخر، كل المحيط الملكي، كما يرى " إلياس نوربيرت " في كتابه " مجتمع البلاط "، يبدو خاضعا لضغوطات من أسفل ومن أعلى، ومن كل الجهات، وحده الملك يتجاهل كل الضغوطات الممارسة عليه سواء من أسفل أو من أعلى، يعرف جيدا تقييم علاقات القوة في البلاط، يوازن بين التوترات، يقسم بذكاء الضغط والضغط المضاد. ينحاز الملك للذين يدينون له بكل شيء، والذين هم بدونه لا شيء، يستند على الأشخاص الذين هم مدينون له بوضعيتهم في البلاط، بدون دعم الملك يسقط هؤلاء في العدم. إنها طريقة يتم عبرها منع أن يتحد مجتمع البلاط ضده، عبره يضمن التوازن ويحافظ على التوترات، إنه شرط ضروري لممارسة سلطته، نوع خاص من حقل الهيمنة وشكل الحكم، يشمل بطريقة موازية النظام القائم بإستغلال العداوات بين المهيمَن عليهم لأجل زيادة تبعيتهم في علاقتهم بالملك، لأنه في النهاية توجد هوية تجمع بين مصالحه الخاصة وتلك التي لمخلصيه، النجاحات المنجزة التي يتم تحقيقها بشكل مشترك تعوض الضغط الذي يمارس عليهم بالنظر إلى الهدف المشترك. وتحكي العديد من الأدبيات المهتمة بهذا الشأن أن الحفاظ على التوترات مسألة حيوية، وأن أية آفاق للانسجام التام في محيط الملك تشكل تهديدا لوجوده نفسه، هذا إذا لم يبادر الملك نفسه إلى إثارة الشقاق والصراع في بلاطه من خلال توزيع ثقته بين عديدين، وإتارة حسد البعض للبعض الآخر، وهي آلية تصلح ككابح للباقي، لأنه رغم كُره بعضهم البعض لهم مصالح مشتركة يمكن أن تتسع لدرجة خداع الملك. نظام المراقبة والتوازن يمنح امتياز المحافظة أكثر ما يمكن من التأثير بأقل ما يمكن من المجهود الشخصي، مهمة الملك تكمن في توجيه هذا الشعور، لأجل إنبعاث الطاقة بدون بدل أي مجهود خاص من قبله، القوة والطاقة تأتيه من الخارج، بينما يظل هو بعيدا، لكن يعرف كيف يستفيد من ذلك، لا أحد يعرف مثله كيف يثمن ويقايض إشاراته، ملاحظاته، ابتسامته، وحتى نظراته، كل ما يأتي منه هو ثمين، كل مواقفه محكومة بالندرة والاختصار، أقواله وإشاراته يمنحها كنها وماهية خاصة به، وهو ما يمكن تسميته ب"التواصل غير الشفهي". وإذا كان انشغال الملك بالحفاظ دائما على مراقبة ميكانيزم الهيمنة، فإن الطاقات المنبجسة من الخارج تسمح له دائما بالعمل حتى عن بعد، يمكن للملك في الحقل الاجتماعي بحركة بسيطة أو بضعة كلمات أن يحرر طاقات غير محدودة، بدون أن يبدد طاقته الخاصة. وكلما اتسع شعاع قوته، كلما أصبح شرط الارتباط به أكثر، وتحلق حوله الكثيرون، وكلما احتكر الحظوظ ووزع الموارد مهما كانت رمزية، يُمنٓح الملك وظائف السمو والهيبة، لأن التوزيع المتوازن لمراكز القوة بين النخب الاحتكارية يوظفها الملك لتقوية مكانته الخاصة، لذلك الملك هو الذي يضمن مرونة البنيات ويصحح في حدود معينة التجاوزات. يختلف الأمر من ملك لآخر، خصوصا بالنسبة لمن لازال يرى نفسه مطالبا بتحصين والدفاع والمحافظة على سلطته : يتعلق الأمر بمعرفة مشاعر ونقاط ضعف، وأسرار ومصالح الجميع، لأن من له طموحات يجب أن يكون على بينة من أمره، حتى يتحول الأمر من الحديث عن مصالح الدولة، والحفاظ على الدولة، إلى الحديث عن الملك الذي هو كل شيء، الدولة لا شيء، الملك هو المعبود، المحبوب، "الذي يُضحى من أجله بالأقاليم، بالمدن، بالمالية، بالكبار، بالصغار... بالجميع" كما قال "سان سيمون "، لكن لابد من الإشارة إلى أنه في البلاط كل عمل منجز في ترابط نسبي، يمثل ضربة في رقعة الشطرنج الاجتماعي، تؤدي حتما إلى ضربة مضادة، التي تحد من حرية اللاعب الأول، فكيف يمكن أن يُظهر مقاومته الداخلية، مادامت كل مقاومة مفتوحة ممنوعة عليه، سيما عندما يكبر امتداده، والذي يتطلب معه مجهودا إضافيا، ولو أن الملك يُقٓدًًَّم لرعاياه ولبعض أعضاء النخبة كرمز لحرية الفرد، الذي يضغط ولا يُضغط عليه، وأن التاريخ هو تسلسل أعمال أفراد مثله. ربما لهذا السبب تتشبت الأنظمة الشمولية بالمظاهر، ويمكن فهم لماذا نجد رجالات هذه الأخيرة لهم حساسية زائدة تجاه أي نقص في قواعد اللياقة عند الآخرين، حساسية تجاه أي إنتهاك أو منازعة في إمتياز مهما كان شكليا صرفا، أو تافها حتى. لكن ما يمكن نعته بالتافه هو أساسي في البلاط لتحديد طابع بعض البنيات المحددة للوجود الاجتماعي. حياة البلاط، إذن، هي لعبة جدية، صارمة، حزينة (mélancolique )، مرتبة، تخضع للضبط الدقيق، لا مجال فيها للصدف والإرتجال، لا مكان فيها للخطأ، يمكن للملك شخصيا أن يسهر على تتبع دقائق أمورها. *أستاذ العلوم السياسية بجامعة عبد الملك السعدي بطنجة