الزمن فينا ونحن فيه. يتمظهر فيزيائيا فيما يعترينا من وهن وضعف، أو عنفوان وقوة بحسب أعمارنا التي هي معطى زمني، ومتحصل وقتي. إنه إحساس وشعور داخلي، كما هو إحساس ورؤية خارجية، حسية ملموسة، تتجلى وتتمرأى فينا وفي الأشياء والمظاهر من حولنا –سواء أكانت تلك المظاهر مادية أم معنوية. إذ الإحساس، في تفسيره العادي البادي، هو انعكاس مادي، وتفاعل فيزيائي بيولوجي نفسي واجتماعي. فمن جماع هذه المكونات والعناصر، يتشكل الزمن السائر السائل. علما أن تشكله موقوت بما يجري، وبما يدور حولنا. الزمن- في اللحظة عينها- كائن وموجود قبل إحساسنا ومعه. ويتعطل بتعطل قوى إدراكنا ومداركنا. إنه الثواني والدقائق والساعات والأيام. وإنه الماضي والحاضر والآتي المنتظر، حتى وإن كان التقسيم والتجزيء إياه من خلق وابتكار الإنسان وفقا لداخله البيولوجي، وباطنه النفسي، ورغبته الأنطولوجية. فالأمر- في البداية والنهاية- مكر واحتيال من أجل التحكم في هذا الذي يفرض علينا حكمه النافذ، ونتيجته الناجزة من حيث التبدلات والتغيرات التي تطرأ علينا، وتدمغنا بما ليس كُنَّاهُ قبل الآن. إذ أن ماضينا الشخصي مختلف عن حاضرنا المعيش. كما أن ماضي الإنسانية غير حاضرها اليوم، فيد الزمن باطشة أو ناعمة تقوم بما أنيط بها من لدن الخالق الحكيم، المحيط بكل شيء، أو من لدن نواميس الطبيعة، والقوانين السارية التي يقصر إدراكنا على معرفتها وتقرّيها. أما صراع البشر مع الزمن، فواضح معلن ومدون ومرئي، تنطق به الثقافات والفنون والحضارات والحروب أيضا. وهو صراع حتمي ومحتوم، لابد منه للسيرورة الكونية، والصيرورة البشرية. وفي ما أحدثه الإنسان، واختلقه وابتدعه، رهان أنطولوجي مُمِّض وأليم، قصد البقاء، ومحاربة الإفناء والفناء. ولعل الرسوم والآثار، والكتابة، تجليات مادية لهذا الصراع، ومرايا عاكسة منذ أزمنة ودهور على إصرار الإنسان على الخلود، وإنقاذ نوعه وذريته من التلاشي والدثور. هو ذا واحد من أسرار الصراع الإنساني مع الطبيعة بغية ترويضها واستغلالها، واستثمار مخزونها ودفائنها، نشدانا للحضور الدائم، والإقامة في ربوع الكون. وما الصراع مع الطبيعة سوى أحد أوجه صراع الإنسان مع الزمن. فالتقويم الزمني الذي اهتدى إليه الإنسان القديم ضمن حضارات عريقة متعينة، كان بغرض امتطاء عربة الوقت لتحقيق المطلوب. ولم يكن ذاك المطلوب غير الطموح المترامي والمتمادي، والطمع الذي لاحدود له في السيادة والسؤدد، وسياسة الدابة القَدَريّة من عنانها الميتافيزيقي والوجودي على حد سواء. وقد أفلح الإنسان فلاحا مشهودا، حيث خرج من صراعه مع الزمن، والخوف من عقابيله، بالسيطرة على معطيات الطبيعة، وما أتاح له الجهد الإنساني السابق المتراكم في صدد تلك السيطرة إياها. سلسلة متواصلة ومتماسكة من الجهود والأعمال والمنجزات، حققت له الريادة، وأسلست له القيادة. وما الحضارات التي نقرأ عنها، بل ونستظل بفيئها المستمر إلا ثمرة من ثمار الجهد الإنساني، ومحصلة صراع الإنسان مع الزمن. لكن، إذا كان البعض يمشون في الزمن، يحسنون قياد وسياسة أزِمَّتِهِ وَأعِنَّتِه كما يفعل الحوذي بدابته الحرون أو الجافلة حتى يذعنها على السير في الجادة وفق برنامجه المسطور، ومقتضيات عيشه ومعاشه، ورَفاهِه فإن البعض الآخر يمشي عليهم الزمن، ضاحكا مقهقها، يراهم، حيث هم، واقفين شاخصين في الفراغ يعلكون الريح، منتظرين أن يتوقف عند ركابهم الغائصة في الويل والوحل، هنيهةً – ريثما يركبون، لكنه يواصل سيره غير عابيءٍ وَلاَمُبالٍ بهم، وقد يرفسهم بحافره القدري الرهيب، ويدوسهم حتى يخلطهم بالتراب، ويُرْديهِم كأنهم ما كانوا ولم يكونوا. والحال، أن هذه الصورة تغري بوضعها إطارا للعرب العاربة، والعرب المستعربة، إذ هم – من دون مبالغة- عن التطور، معرضون، وعن التقدم تائهون وضالون. ومن ثم، بات صحيحا وصائبا، القولُ بأن التأخر العربي هو تأخر تاريخي، أي تأخر في الزمان. لأننا تركنا الزمن يمشي علينا، كأننا جثامين، كأننا أموات، تنبو الحوادث علينا ونحن مَلْمومون كحجر راكد أصم، حد تعبير الشاعر القديم. إننا نرى إلى العالم بوصفه مقولات مجزأة منفصلة، وجامدة: الماضي وراءنا الحاضر هنا المستقبل أمامنا. وبهذا، فهي رؤية مكانية للزمن، تنظر إليه باعتباره امتدادا للمكان، ما يَسِمُها بالجمود والركود والتخشب، إذ أنها تفضي بالحتم إلى الحتمية الميكانيكية، بينما الزمن الحقيقي ( الديمومة )، كما بيَّنَ الفيلسوف الفرنسي " برغسون "، هو امتزاج الماضي بالحاضر بالمستقبل بشكل حي متحرك وخلاَّق. وليس بعيب أن نقر بتأخرنا التاريخي، وتخلفنا الحضاري، حين المقارنة مع الغرب وأمريكا وآسيا. ليس بعيب، إذْ لربما انفطر الخاطر للمقارنة، وتحرك الوجدان الخامل، وبكى العقل المتصدع. يصلنا ما حققته شعوب وأمم في بقاع المعمور من تقدم مبهر، وفتوحات في مجال العلم والتكنولوجيا والفكر، تقض مضجعنا إذ تُنْبينا بضعفنا وقلة حيلتنا، وخروجنا من التاريخ، ونَأْيِنا، بمسافات ضوئية، عن اللحاق بحضارة العلم والمعرفة والتكنولوجيا والإنتاج والرَّفاه. ولاشك أن أحد آفاتنا المركوزة في وجداننا كشعب عربي، والمترسبة في عقليتنا وذهنيتنا الرخوة، التصديق الأبله بأننا خير أمة، وأن نسبنا وانتماءنا وشجرتنا باسقة وارفة تمتد في التاريخ والمجد والسؤدد، ما شل قدراتنا على الجد والكد والاجتهاد، وما جعل "السفهاء" منا يخفون أخطاء، وأعطاب وأكاذيب بعض الجوانب من تاريخنا. ويزينون ما يستوجب التقبيح والمحو. وما جعلهم يرمون تقدم الأمم بالجهل والجاهلية الجديدة، والتحلل الخلقي، والإباحية، وهلم نعوتا وتشنيعات مفتراة، لأنها تشنيعات الحاقد والعاجز. ولست أعرف لماذا نصر على إخفاء الحقائق، ودس وجوهنا في الرمال، ونسج الأكاذيب ليل- نهار، ونحن أضيع من الأيتام؟، ونحن في حَيْصَ بَيْصَ، أضحوكة، وموضع استهزاء، ومحط تنكيت وسخرية؟. ومع أن مفكرينا المتنورين، وضعوا اليد على أسباب التخلف، وعلل التأخر، بشكل علمي ريادي، وتشريح عميق مؤيد بالتواريخ والحجج والأدلة في إطار المقارنة والمقايسة والميزان، فإن المجتمعات العربية ظلت تراوح المكان، تدور بها ناعورة الزمان، غافلة مستغفلة، ونائمة مُنَوَّمة، يسمع شخيرها وغطيطها في أرجاء وزوايا الكون. هل هو قدر مقدور؟. هل هي ذهنية متوارثة مكرسة تعادي بالفطرة، والجينات الكامنة، التقدم والتطور، والحرية؟. وأنه ما علينا إلا أن نستنيم لوضعنا وشرطنا التاريخي، والوجودي، والنفسي السلالي الذي قضى بأن نكون أمة يمشي عليها الزمان من دون أن تشعر بخزي أوعار، أو تحس بالآخر المختلف وهو يبتعد وينأى في مضمار الثقافة والحضارة، ويحقق آدميته، ووجوده، وكينونته، وإنسانيتة؟. فما جدوى ما ندرسه لأبنائنا وبناتنا في المدارس من أن الوقت ثمين، وهو "كالسيف إن لم تقطعه قطعك". لقد لُكْنا هذه المقولة زمنا حتى مَلَّ المللُ منها. يكتب فيها التلاميذ ويحللونها مع أستاذهم ثم يطوون الكتاب، من دون أن تتغلغل المقولة فيهم إذ يقتلها ما تروجه الثقافة الشعبية من دعوة إلى الخمول، والكسل، والتراخي : "تَشْميسَةْ خير من تَخْميسة"، و"اللّي بْغا يَرْبَحْ العام طْويلْ). إنه الزمن المغتال، أو الذي نحث ونحض النشء على اغتياله، أو في الأقل – على عدم الاهتمام به. ولم يخطيء الشاعر عبد الوهاب البياتي حين كتب يقول : (قتلتنا في مقاهي الشرق حرب الكلماتْ، نحن لم نقتل بعيرا ولا قطاة ْ إنما قتلنا بعضنا بعضا وها نحن فتاتْ). وهو –إنما ينعي واقع حال الإنسان العربي، ويفضح بطولاته الدونكيشوطية الهوائية الفارغة والمضحكة. وبالإمكان تعميم مقاهي الشرق على مقاهي المغرب "الجميل". فالناس تسكن المقاهي وتقيم فيها. جلساتُهُم، في أغلبها، بلهاء، ونميمةٌ واغتيابٌ، ونهشٌ للأعراض، وقتل – بالتلازم للوقت والزمن. انتشار المقاهي وتكاثرها، دليل مادي ملموس وشَرِسٌ على احتقار الوقت، والاستهانة بالزمن، وعدم اكتراث بمجريات الأمور، وعدم انتباه للتقدم الهائل الذي تحرزه الشعوب النشيطة العاملة. في المقاهي العربية، لا في النوادي، والجمعيات، والأحزاب، والنقابات، والملتقيات والموائد والندوات، تطرح جلائل الأمور، وعظائم القضايا، فيتصدى للحلول كل حاضر، مُدَّعٍ، "محللا"، و"مفسرا"، لاغيا هذا وذاك، "مبديا" رأيه ووجهة نظره، بل وفارضا إياها على رفاق "القهوة"، وإذا ذُكِّرَ بأحد الأقطاب المفكرين، شَمَتَ فيه ولعنه من دون أن يقرأ له حرفا، بل ومن دون معرفته. ولعل هذه الآفة العضال، انتقلت إلينا من أيام الطلب في الجامعة، إذ كنا في الحلقات النقاشية الماراطونية، نقول كل شيء ولا شيء. نستشهد بماركس، ولينينْ، وتروتْسكي، وروزا لوكسمبورغ، وماوتسي تونغ، وهوشي مِنْه، دون اطلاع وقراءة ومعرفة. قُصارَانا: ملامسة العناوين بأعيننا، وإدراج أسماء مؤلفيها الشيوعيين الزعماء، لإفحام الخصم "الرفاقي"، و"العدو" الحزبي"، وإظهار نبوغنا الفكري الاشتراكي، وموسوعيتنا النضالية في مجال وآفاق الفكر الكوني التحرري. وإذا كان العهد طلابيا، يسمح، في أتون الصراع الفصائلي، بإيراد الكذب والمكذوب، فإن الزمن عهد مستمر "ينظر خلفه بغضب"، هامِزاً لاَمِزاً، ومُومِئاً لنا بضرورة إحضار التبصرة والبصيرة، وإعمال الذهن الوقاد، والغيرة الحضارية المطلوبة التي تَحُضُّ على الغُنْمِ العلمي المعرفي، والرفد الثقافي الحضاري في خصوصه وعمومه من أي مكان، ومن لدن أي شعب، أو أي إنسان. فالزمن لا ينتظر، فإما أن نكون أو لا نكون، كما قال هاملتْ. فماذا ننتظر؟.