تعليمات صارمة وسدود طرقية لحظر التجوال الليلي بالبيضاء    كشف (PCR) وعزل 3 أيام.. هذه ضوابط العمرة للقادمين من خارج السعودية    حجيج رئيسة جديدة للكونفدرالية الإفريقية للكرة الطائرة    الخطأ ممنوع على ريال مدريد    الحسيمة..النيران تجهز على أكبر سوق بالمدينة    تقنيو الصحة ينددون بتماطل الوزارة ويتوعدون بالاحتجاج    بحث سبل تعزيز التعاون بين المغرب وغينيا الاستوائية في المجال الصناعي    شبيبة البيجيدي: مقترح احتساب القاسم الانتخابي على أساس المسجلين غريب وغير دستوري    المغرب وإسواتيني يعززان تعاونهما في مجالي الصناعة والصحة    تارودانت : تفاصيل التدابير الاحترازية للحد من تفاقم فيروس كورونا.    لاعب مغربي يتوج بجائزة هداف كأس الكاف    الرجاء يعلن نتائج آخر مسحة طبية في صفوف النسور    جدات الزفزافي ماتت هاد الصباح فالحسيمة    الرصاص يلعلع بالدار البيضاء لتوقيف شخصين عرضا أمن المواطنين وممتلكاتهم للخطر    المغرب يمنع دخول الشاحنات الإسبانية الغير متوفرة على شريك مغربي    بالصور : إنقلاب سيارة إسعاف تابعة لمنظمة دولية ضواحي أكادير يتسبب في فاجعة    بسبب تفشي الجائحة.. تشديد التدابير الاحترازية بمدينة تارودانت    والي جهة الدار البيضاء ينبه إلى خطورة الارتفاع الكبير في عدد المصابين بفيروس "كورونا"    استمرار تفاقم الوضع الوبائي بالمملكة ومنطقة الدار البيضاء على رأس الجهات الموبوءة    "اتصالات المغرب" تحصل على لقب "أفضل أداء في المسؤولية الاجتماعية للشركات لسنة 2020" للمرة السابعة على التوالي من طرف Vigeo-Eiris    الغرفة الفلاحية لجهة طنجة تواصل التحسيسس ببرنامج "انطلاقة" للشباب الحامل للمشاريع    مجلس المنافسة يعقد بعد غد الأربعاء الدورة الثامنة العادية لجلسته العامة    العثماني: بلورة ورش الإدارة جاء بتعليمات من صاحب الجلالة    "لمخنتر" يكشف حقيقة وفاة والده في سلسلة "حديدان" كمال الكاظيمي -صورة    بوغبا يتجه نحو الاعتزال الدولي بسبب رسولنا الكريم    باكستان تستدعي السفير الفرنسي    يسرا تكشف عن التفاصيل الأولى لمسلسلها في رمضان 2021    رشيدة القدميري مبدعة تستثمر الحلم أمام الواقع الرتيب    سعد الشرايبي:"نساء… ونساء" نظرة سينمائية لوضعية المرأة بالمغرب    نائب الرئيس العراقي السابق عزة الدوري الى دار البقاء    قبل يومين من القرار. أنطونيو كَوتيريس غادي يتحادث مع وزير خارجية الجزائر    فرنسا تسجل أثقل حصيلة يومية للإصابات بكورونا منذ ظهور الوباء    كونطي: ما حدث مع حكيمي غريب وغير مفهوم!    في رد قوي على إسبانيا.. المغرب يمنع دخول شاحنات البضائع الإسبانية لترابه    الرصاص لتوقيف شخصين رفضا الامتثال لعناصر الشرطة    الأمطار تنعش جزئيا حقينة مياه سدود سوس وآمال الفلاحين تتجدد    النجم العالمي رونالدينيو يعلن إصابته بكورونا    الشرطة الإسبانية تحبط محاولة تهريب شحنة من "القرقوبي" نحو طنجة    التونسية آمال مثلوثي مفاجأة حفل ختام مهرجان الجونة السينمائي    رابطة العالم الإسلامي تدين الإساءة لرموز الأديان    صحيفة "صن" البريطانية : نجم المنتخب الفرنسي بوغبا قرر اعتزال اللعب الدولي بسبب إساءة ماكرون للإسلام    الريسوني: أصبح من الواجب مقاطعة فرنسا ومنتجاتها    الأمطار تعود إلى سماء المملكة الإثنين بعدد من المناطق    ليس دفاعا عن عبد الوهاب رفيقي    فيروس كورونا يحصد وفيات جديدة بسبتة    بداية توثر العلاقات بين المغرب واسبانيا بسبب اجراءات تجارية    هل يزيد فصل الشتاء من خطورة تفشي فيروس كورونا ؟    التطبيع: النفط الإماراتي إلى الأسواق الأوروبية عبر إسرائيل وليس قناة السويس    لبيض يتألق مع أجاكس في فوز تاريخي لأياكس أمام فينلو ب 13-0    بنك المغرب يضخ تسبيقات بحوالي 40 مليار درهم    هكذا أرّخت نقرات "الآلة الكاتبة" لنبض الشّعوب وتدفق الحضارات    الرابور المغربي "كانية" يصدر أغنية "المكتاب"    "يوم المغرب" بأمريكا يحتفي بلوثر كينغ والزموري    ثورة أمريكية جديدة .. تنافس نخب السياسة وصراع "الفيل والحمار"    السعودية تصدر أول تعليق على الرسوم المسيئة للرسول محمد وموقف ماكرون    اسم الآلة يصاب بالعطب        بن حمزة: الاحتفال بذكرى المولد مشروع .. والهجوم على النبي موضة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





إعلام الجائحة وجائحة إعلام التخويف
نشر في هسبريس يوم 29 - 09 - 2020

جوائح هي أبرزتها وأفرزتها جائحة كورونا المستجد، اختلالات وتخليات أعطتها الجائحة ألوانها الحقيقية القاتمة وأشكالها الجاثمة، وضمن ذلك برزت جائحة الإعلام فشاهدنا ونشاهد عواصف باردة وعواطف جامدة تتجول عبر واجهة الإعلام، واستمعنا ونستمع لها، وقرأنا ونقرأ لها وعنها..
ينبغي التأكيد في البداية ألا مجال للتعميم، فالإشراقات والاستثناءات على قلتها كبيرة بتحديها للسائد وللأكثر انتشارا؛ بل إن أغلب أسباب جائحة الإعلام مفروضة عليه من خارجه.
الإعلام الذي روض الجائحة..
إعلام الجائحة وبالأصح حول الجائحة لم يتعامل معها كحدث ننتظر أن يكون عابرا وأن ينتهي قريبا، لم يخضع لها، بل شيّد أنفاسا لمواجهتها، وقبل ذلك عمل على تفكيكها وتحليل ما برز منها آنذاك، بما يسعفه على بناء إستراتيجية مهما كان صغرها أو ضيق مساحتها ومحدودية أهدافها ...المهم أنه تمكن من ترويضها، بعد وعيها وعقلها، ومقاربة دور العمل الإعلامي في تجسيد ذلك الوعي والعقل.
من أسس الإعلام المهني التجديد المنتظم لأنه يتعامل مع الواقع ومستجداته وتطوراته، ومع الحاجيات والأولويات المتجددة للمتلقين، ويتجنب الانغماس في تقاليد ثابتة للعمل وفي المحافظة على ما درج عليه...
وقد اختبر قدوم الجائحة بالطريقة التي جاءت بها والتوقيت الذي جاءت فيه توفر مؤسسات الإعلام على سيناريوهات الاستعداد للطوارئ والإعداد لتدبير الأزمات، ولعل مسافات مازالت تفصلنا في المغرب والمنطقة العربية عن هذه الثقافة.
الدهشة التي طالت والاندهاش الذي استطال..
تسبح حتى أصغر الرسائل الإعلامية، خلال الزمن العادي، في حضن الأهداف المحددة والتوجهات الإستراتيجية والسياسية التي تتم بلورتها بناء على الدراسة والتحليل والرصد للانتظارات والاتجاهات والخصوصيات...فما بالنا بحالة استثنائية، لا قبل للعالم بها، مثل جائحة كورونا المستجد ... ولذلك ألح ويلح العديد من المتلقين على تقديم مقارنات بين إعلامنا والإعلام الغربي الذي يتزايد حضوره لديهم.
لقد طغى عندنا تدبير الإعلام يوما بيوم، إذ لم يتم اعتماد لا تخطيط ولا دراسة وتتبع، ولا ابتكار أساليب جديدة لمضامين مستجدة. ولئن كان من الصحيح أن أغلب القطاعات غرقت في تدبير يومي وارتجالي لأزمة كورونا المستجد، فإن الإعلام لعدة أسباب ومنها أنه عمل في الواجهة ما انفك يبدو معطوبا ومسلوبا أكثر بذاك النوع من التدبير، ولم يستفد من مرور ما يزيد عن سبعة أشهر على الجائحة، إذ يستمر اندهاش وتيه غالبية إعلامنا إزاءها.
ولا ينفي هذه الخلاصة كون السلطات استعملت الإعلام والتواصل في بداية الجائحة لتيسير نوع من المصالحة مع فئات من الشعب، لتقبل الإجراءات والقادة والمسؤولين، وحاولت استعمالهما لخلق ثقة مفتقدة أو على الأقل مقدمات لها حسب الحالات، لاسيما مع الارتباك ووقع المفاجأة اللذين اصطك بهما صناع القرار...
والاستثناءات القليلة التي وقعت في هذا الصدد تؤكد القاعدة، وأبرزها الاستفادة من بعض القنوات السمعية البصرية العمومية لدعم التعليم عن بعد؛ وذاك يطرح من جهة أخرى أسئلة وظائف وحتى وجود بعض القنوات الإعلامية وهي التي تكلف الميزانية العمومية ما تكلف...
فيروس إعلام التخويف..
ليس لجائحة إعلامنا فيروس واحد، بل عدة فيروسات وأمراض انضاف الجديد منها إلى القديم، سواء في المحتويات أو في الأشكال والأساليب أو في الاختيارات والتوجهات أو في التدبير والتسيير.
ونتوقف هنا عند أحد أعراض مرض المضمون؛ من خلال نموذج إعلام الخوف والتخويف. فقد ساهم بعض إعلامنا في نشر فوبيا كورونا بالتركيز على التهديد والتنديد. وكثيرا ما يردد ذ مصطفى الشكدالي، الخبير في علم النفس الاجتماعي، قوله: "التنديد لا يصاحبه عادة التفكير"؛ بينما إن فقد الإعلام التفكير والتأمل والدراسة أصبح تهريجا وبهرجة...
كما ساهم في "رهاب كورونا" ترويج الغموض المركب إزاء الفيروس؛ فغموض بعض جوانب وقضايا الفيروس كانت ومازالت واقعا مميزا لتعاطي العلم والطب معه، بسبب غياب أجوبة حاسمة عن أسئلة مهمة مثل كيف ينتشر الفيروس؟ إنما الغموض المركب هو الذي يضيف للمجهول المحيط بالفيروس والاستفهامات المعلقة حوله "الزيادة في العلم" والمزايدة عليه بأدوات الجهل وخطابات الادعاء.
في حين انضاف للإعلام دور المرافقة النفسية التي لا يمكن أن تتم دون الاعتماد على المعرفة؛ فالمعرفة وحدها تقلص من الخوف المرضي وترسي الخوف العادي بقدره الإنساني الذي يقترن عادة باتخاذ الاحتياطات والاستعداد للمواقف والحالات؛ وثقافتنا تحث على "لّي خاف نجا"، و"الخوف أو الهروب إلى التيساع رجلة"، تأكيدا للفوارق بين الشجاعة والتهور وبين الحذر والهلع، والموازنة بين الإقدام والإحجام...
لا أخاف إلا من الخوف..
المبالغة في أي شيء تقلبه إلى ضده. يقول الخبير نفسه: "لا يعذر أحد بجهله لنفسه"، فهو يحور مقولة "لا أحد يعذر بجهله للقانون" للتأكيد على أن معرفة الذات قبل معرفة القانون... ويمكن أن نوسع هذه القاعدة لتشمل المجتمع بما فيه الدولة، لنستخلص أن القانون والأمن وحدهما لا يكفيان، وما ينتجانه من ردع وزجر تكون لهما أحيانا نتائج عكسية وليس فقط نتائج سلبية جانبية.
وعندما يغرق المواطن في خطابات التهديد والتخويف في الشارع، ويدخل لبيته فتهاجمه الخطابات نفسها عبر شاشات وأمواج وصفحات أجهزة الإعلام، أفلا يصاب بالفزع والهلع ثم بالفوبيا. وتزايد حالات الاكتئاب والذعر والرهاب والشعور بالقهر وغيرها، لاسيما وسط الأطفال، خطير على مستقبل البلاد.
والحال أن بعض الإعلام بالغ في تبني وتصريف المقولة التسلطية "كيخافو ما يحشمو" وزاغ عن أدوار التنبيه والحث على الحيطة والحذر... وأنى لإعلام خائف أو متخوف أو مخوف أن يصد الخوف.
يفرض التعامل مع ذكاء المغاربة لا مع غرائزهم الابتعاد عن تطرفي التهويل والتهوين؛ والوعي بأن الإعلام لم يعد منذ مدة طويلة أداة للإبلاغ والتبليغ فقط، بل أصبح مساحة للتواصل وساحة للحوار وواحة للاتصال والتفاعل.
علما أن من أولى دروس الجائحة عالميا ووطنيا إثباتها أن صلاحية بعض الخطابات، ومنها خطاب التخويف، محدودة التأثير ومعرضة للتلف السريع، وأنها خلفت وتخلف أحيانا انعكاسات غير منتظرة وردود فعل سلبية ... لاسيما مع طول عمر الجائحة غير المتوقع؛ ما يتطلب أن نتبنى جميعا مقولة "لا أخاف إلا من الخوف"...
*باحث في الإعلام والتواصل والمساءلة المجتمعية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.