"الاستراتيجية الأمنية الأمريكية" التي نشرها البيت الأبيض مؤخرا ليست جديدة. هي فقط إعادةُ صياغةٍ لمحاضرة كان قد ألقاها مايك بومبيو من سنوات عندما كان وزيرا للخارجية خلال الرئاسة الأولى لدونالد ترمب. وما يسميه نصُّ "الاستراتيجية الأمنية الأمريكية" لدونالد ترمب بعبارة sphere of influence، "مواقع التأثير"، هي ما وصفه بومبيو في محاضرته تلك بعبارة western hemisphere. لنترجمها مجازا بالعالم الغربي! ويشمل بالنسبة لبومبيو عموم أوروبا، باستثناء روسيا طبعا، إضافةً إلى جل دول أمريكا اللاتينية. ومشكلته كانت مع تلك الدول التي اعتبرها مارقة مثل فنزويلا، وأخرى لا يمكن الوثوق فيها كثيرا مثل كولومبيا وإلى حد ما الشيلي. كما يمكن للعالم الغربي أن يشمل بالنسبة لمايك بومبيو الهند، ولو أن هذا الأمر أصبح معقدا شيئا ما حاليا. ويبقى أهم شيء عنده هو السيطرة على نفط فنزويلا وتطويع البلدان المتوسطة في أمريكا الوسطى والجنوبية، ما سيعزل بالنسبة له البلدان الكبرى، خاصة الميكسيك والبرازيل، أو سيحشرهما على الأقل في الزاوية. أما ما يجب تذكره دائما فهما أمران. أولا: الولاياتالمتحدة لن تتنازل أبدا عن أوروبا. فالرئيس دونالد ترمب يريد تفكيك "الاتحاد الأوروبي"، لا سقوط أنظمة الدول الأوروبية، لأن ساسة واشنطن يعتبرون أنفسهم أوصياء على أوروبا التي هي مهد العقيدة التي قامت عليها بلادهم. عقيدةٌ عمادها هيمنة التصور الاستعماري الغربي الأبيض على بقية العالم. ومخطئٌ من يعتقد أن بلداً مثل المملكة المغربية، سيُدْخِله هؤلاء القوم في حساباتهم كحليف موثوق و"غربي"! ثانيا: أفكار مايك بومبيو ما هي إلا تطويرٌ لفكر المحافظين الجدد كما أعادت صياغته حركة "حزب الشاي" التي فازت بانتخابات تجديد الكونغرس في عهد الرئيس باراك أوباما. وتلك الحركة – التي يعتبر بومبيو واحدا من زعمائها – برزت داخل الحزب الجمهوري لأن عرابيها لم يهضِموا أن يصل رئيس أسود للبيت الأبيض، حتى لو كان منتوجا خالصا لمنظومة إنتاج الساسة الأمريكان مثل باراك أوباما، الذي يعتبره جزء كبير من الجمهور الأمريكي الأسود ومن الشباب الأمريكي "سياسياً ابيضاً". هذه الحركة كانت ولا زالت تعتبر أن من أسس الجمهورية الأمريكية هم رجال بيض، يؤمنون بالله – حتى وإن كانوا غير متدينين – وينتمون سياسيا لما يعرف بأقصى اليمين. رجال بيض يعتبرون أن "الآخرين" من زنوج و"لاتينوس" ويساريين وشيوعيين ومسلمين وعرب وآسيويين..الخ، يعتبرونهم ليسوا أهلاً لكي يفهموا الأحاسيس التي يشعر به الرجل الأبيض! أما الرئيس دونالد ترمب فما هو إلا التجسيد الأكثرُ صراحةً وشراسةً (ووقاحةً؟) لعقيدة هؤلاء. أخيرا وليس آخرا، هناك مواردُ الطاقة، وخاصة النفط. هو عصب هذه العقيدة. لذلك يجب السيطرة على كل منابعه التي توجد خارج سيبريا. هذه الأخيرة تعتبر مفارقةً، لأنها جزء من فدرالية روسيا سياسياً، لكنها أقربُ إلى جمهورية الصين جغرافياً. وتلك حكايةٌ أخرى..!