لم يكتفِ أبناء المنطقة الأفريقية والعربية من المجازر والانتهاكات والعربدة التي تعرّضت لها شعوبهم لزمن طويل عبر الاستعمار المباشر وغير المباشر، بصياغة موقف منحازٍ لسردية الهامش. بل يحدث العكس؛ فمع التطور الإعلامي والتكنولوجي الذي جعل الجميع يرى العربدة الأمريكية والغربية على شعوبنا، لا تزال بعض نخبنا تنحاز إلى السردية الغربية. تخيلوا معي أن أغلب شعوبنا لها شهداء على طريق التحرر وتضحيات جسام قدّمت على يد المستعمر، ومع ذلك هناك من يؤيد المجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني أمام مرأى ومسمع العالم. فالغرب، عبر أبرز مواقعه وقنواته، يبرر قتل الأطفال والنساء. وما حدث مع الشعب اليمني وغيره من الأمثلة يُظهر أنك أينما ولّيت وجهك ستجد أمريكا والغرب وراء المآسي والدمار. ومن هنا، فإن من البلادة والغباء السياسي أن يمجّد بعض من نخبنا الانتهاك الذي وقع في فنزويلا، وأن يُقدَّم اعتقال رئيس منتخب واختراق سيادة دولة على أنه «انتصار للعدالة» أو «نهاية مستحقة لديكتاتور»، بينما هو في الحقيقة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات الإمبريالية في شؤون الشعوب. ما جرى في كاراكاس ليس استثناءً، بل هو استمرار لمنطق القوة الذي يحكم علاقة المركز الرأسمالي الإمبريالي بأطرافه التابعة؛ من عقوبات وحصار، وتدخلات «قانونية» حينًا، وعسكرية فَجَّة حينًا آخر، مرورًا بأدوات الهيمنة الاقتصادية كصندوق النقد والبنك الدوليين، وانتهاءً بالاجتياح المباشر. فشعوب منطقتنا تعرف جيدًا أن سيادتها تُنتهك يوميًا عبر برامج «إصلاح» مفروضة، وخصخصة قسرية، وديون خانقة، وقواعد عسكرية. ثم يُطلب منها بعد ذلك أن تصدق أن ما يحدث في فنزويلا هو دفاع عن «القانون الدولي» و«حقوق الإنسان»! ما يقع هناك جزء من المسار نفسه الذي ينهب هنا، وإن اختلفت اللغة والأعلام والأسماء. إن الإمبريالية، كمنظومة تمتد من الولاياتالمتحدة وأوروبا، هي كتلة رأسمالية مركزية متشابكة المصالح، تختلف في التكتيك أحيانًا لكنها تتفق على ضرورة إبقاء الأطراف في حالة تبعية وهشاشة دائمة. والإمبريالية، كما صاغها لينين، ليست مجرد نزعة عدوانية نفسية، بل مرحلة من تطور الرأسمالية حين يتداخل رأس المال المالي والاحتكاري مع جهاز الدولة العسكري والأمني، فتُدار الجغرافيا العالمية كشبكة مصالح لا كمجتمع دول متكافئة. في هذا السياق، يصبح ما يفعله ترامب، أو بايدن، أو أي رئيس غربي آخر، تعبيرًا عن منطق بنيوي لا عن نزوة فردية. أن يُختطف رئيس هنا، ويُدبَّر انقلاب هناك، ويُفرض حصار مدمِّر في مكان آخر، هو استمرارية لوظيفة المركز: ضبط الأطراف، ومعاقبة كل محاولة استقلال، وضمان تدفق الموارد الخام والأرباح نحو الأعلى. السؤال المحيّر والمحزن: كيف يصل الأمر إلى أن «أبناء جلدتنا» أنفسهم يصفقون لهذه العربدة، ويحللون الواقع استنادًا إلى السردية الأمريكية نفسها التي تسحق شعوبهم؟ هنا يتحولون إلى جزء من «الجهاز الأيديولوجي» للإمبريالية، عن وعي أو دون وعي. فهذه النخب، حتى حين ترفع خطابًا يساريًا أو «حقوقيًا» أو «ديمقراطيًا»، تمارس تفكيرها داخل النسق ذاته، بحيث تتبنى معايير شرعية مصدرها الغرب وحده. إنها تقبل ضمنيًا احتكار المركز لتعريف «الديمقراطية» و«الإرهاب» و«الدولة الشرعية». وهي تقيس كل تجربة مقاومة أو يسارية في الجنوب بمعايير مستوردة، متجاهلة علاقات القوة غير المتكافئة والحصار والعدوان. من منظوري، هذا ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل هو موقع طبقي: نخب متموضعة ماديًا ورمزيًا داخل بنية التبعية، تستمد جزءًا من رأسمالها الرمزي والمهني من الانخراط في خطاب المركز، فتتحول إلى وسطاء أيديولوجيين في المجتمعات المحلية. سقوط السردية الغربية لم تكن بدايته مع هذا الحدث، بل هو حلقة من سلسلة طويلة، آخرها ما حدث ويحدث في غزة، وصولًا إلى فنزويلا. فحرب غزة لا تغيّر الموضوع، بل تربط الحلقة الفنزويلية بسياق أوسع لانكشاف السردية الليبرالية الغربية. فالنظام الذي ادّعى عقودًا أنه حارس «حقوق الإنسان» و«القانون الدولي» وقف، عيانًا بيانًا، إلى جانب إبادة جماعية ظاهرة، ووفّر لها الغطاء السياسي والعسكري والإعلامي. هنا يتكثّف الدرس الأساسي: القانون الدولي، و«قيم الأنوار»، و«حقوق الإنسان»، ليست محايدة؛ فهي تُفعَّل حين تخدم مصالح المركز، وتُعطَّل أو تُفرَّغ من مضمونها حين تتعارض معه. من غزة إلى بغداد إلى كاراكاس، المنطق واحد: حياة الإنسان في الأطراف رخيصة، وسيادة الدول في الجنوب مشروطة برضا المركز. كل مقاومة تُجرم، وكل تبعية تُكافأ. في ضوء هذا، يصبح من العبث الأخلاقي والسياسي أن يُرفع شعار «ديكتاتورية مادورو» كذريعة لتبرير عدوان خارجي، بينما لا تُرفع الشعارات نفسها في وجه أنظمة تابعة تمارس قمعًا أوسع ولا تملك أي قدر من الاستقلال الاقتصادي أو السياسي.