يشهد قطاع السياحة في شمال إفريقيا تحولا لافتا يتمثل في تقدم المغرب على مصر في عدد السياح الدوليين الوافدين، حيث أكد تقرير موقع "توربروم" الروسي المتخصص في أخبار السياحة، أن المغرب استقبل خلال سنة 2025 ما مجموعه 19.8 مليون سائح أجنبي، مسجلا ارتفاعا بنسبة 14 بالمائة مقارنة بسنة 2024، مقابل 19 مليون سائح زاروا مصر خلال الفترة نفسها بزيادة 21 بالمائة، وهو ما يجعل المغرب يتصدر للمرة الثانية على التوالي ترتيب الوجهات السياحية في المنطقة. واعتبر التقرير أن هذا التحول يعكس تغييرا بنيويا في دينامية السياحة الإقليمية، وليس مجرد تفوق ظرفي مرتبط بموسم سياحي معين، كما أوضح أن هذا التقدم المغربي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات عمومية واضحة اعتمدتها المملكة المغربية في السنوات الأخيرة، من خلال استراتيجية الانفتاح الجوي وسياسة "الأجواء المفتوحة"، إلى جانب الحملات الترويجية الدولية التي قادها المكتب الوطني المغربي للسياحة، التي ساهمت في تعزيز صورة المغرب كوجهة آمنة ومستقرة وجذابة للاستثمار السياحي.
وأشار التقرير ذاته إلى أن المغرب سجل إلى غاية منتصف سنة 2025 نموا مزدوج الرقم في عدد السياح القادمين من الأسواق الأوروبية التقليدية، خاصة فرنسا وإسبانيا، إضافة إلى توسع ملحوظ في استقطاب السياح من أسواق جديدة مثل أمريكا الشمالية والصين، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرا على نجاح سياسة تنويع الأسواق وعدم الاكتفاء بالاعتماد على السياحة الأوروبية فقط. المغرب يستفيد من "علاوة الاستقرار" ويؤكد التقرير أن البنية التحتية السياحية المغربية لعبت دورا محوريا في هذا التحول، حيث بلغ عدد المسافرين عبر المطارات المغربية خلال سنة 2025 ما مجموعه 36.3 مليون مسافر، نتيجة التوسع الكبير في شبكات النقل الجوي، وتعزيز الربط المباشر بين المغرب وعدد من العواصم الأوروبية والعالمية، إذ أشار التقرير إلى أن الخطوط الملكية المغربية عززت روابطها الجوية مع أوروبا والولايات المتحدةالأمريكية والصين، كما رفعت شركة "رايان إير" عدد رحلات الطيران منخفضة التكلفة نحو المدن المغربية، وهو ما جعل الوصول إلى مدن مثل مراكش وأكادير أقل تكلفة وأسرع زمنا مقارنة ببعض الرحلات الداخلية داخل أوروبا نفسها. ويبرز التقرير الروسي أن المغرب استفاد أيضا مما وصفه ب"علاوة الاستقرار"، حيث اعتبر محللو السياحة أن صورة الاستقرار السياسي والأمني التي يتمتع بها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس شكلت عاملا حاسما في تعزيز ثقة السياح والمستثمرين الدوليين، مقابل استمرار المخاوف الأمنية والاضطرابات الإقليمية في بعض مناطق العالم، وهو ما جعل المغرب يظهر في تقارير شركات السفر العالمية كوجهة آمنة ومستقرة وقابلة للتخطيط السياحي طويل المدى، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تدفقات السياح والاستثمارات السياحية. وبحسب التقرير فإن النموذج المغربي في السياحة لا يعتمد فقط على البنية التحتية والفنادق الكبرى، بل يقوم أيضا على ما وصفه التقرير ب"التجربة الإنسانية"، حيث استثمر المغرب في ترميم الأحياء التاريخية، والحفاظ على الحرف التقليدية، وتكوين المرشدين السياحيين المحليين، وتحسين جودة الخدمات، وهو ما جعل السياح يبحثون عن "التجربة الأصيلة" داخل المدن العتيقة والأسواق الشعبية والساحات التاريخية، مثل ساحة جامع الفنا في مراكش، ومراكز الرحل الرقميين في مدينة الصويرة، حيث أشار التقرير إلى أن عددا متزايدا من العاملين عن بعد من نيويورك وطوكيو يقيمون في المغرب ويمارسون أنشطة مثل ركوب الأمواج بعد ساعات العمل، وهو ما يعكس تحولا في نمط السياحة نحو ما يسمى بالسياحة التجريبية طويلة الإقامة. وفي سياق المقارنة الإقليمية، أوضح التقرير أن مصر، رغم تسجيلها نموا مهما في القطاع السياحي، خاصة في مناطق البحر الأحمر، لا تزال أقل تنوعا من حيث العرض السياحي مقارنة بالمغرب، حيث ركزت القاهرة على مشاريع بنية تحتية كبرى، مثل افتتاح المتحف المصري الكبير، وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، وإحياء الساحل الشمالي، مع اعتماد استراتيجية 2026 على استهداف السياحة الفاخرة، من خلال شراكات مع علامات عالمية لإنشاء منتجعات راقية في شبه جزيرة سيناء ومنطقة الجونة، بهدف رفع العائدات السياحية حتى في حال استمرار التراجع النسبي في عدد الوافدين مقارنة بالمغرب. ويشير التقرير الروسي إلى أن المنافسة بين المغرب ومصر انعكست إيجابا على مستوى تطوير السياسات السياحية الإقليمية، حيث دفعت البلدين إلى تعزيز الاستدامة البيئية، وتسريع رقمنة المساطر الإدارية، وتبسيط إجراءات التأشيرة، وحماية التراث الثقافي، وهو ما اعتبره المحللون تطورا إيجابيا لصالح السياح الدوليين الذين أصبحوا يستفيدون من عروض أكثر تنوعا وجودة أعلى وخدمات أكثر احترافية. ضغط سياحي مفرط على البنية التحتية المصرية كما أشار التقرير إلى أن الحكومة المصرية تستهدف بلوغ 20 مليون سائح خلال سنة 2026، و30 مليون سائح في أفق سنة 2031، غير أن التقرير نفسه حذر من أن الاكتظاظ السياحي المفرط قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث قد تستفيد الدول المنافسة، وعلى رأسها المغرب، من أي ضغط سياحي مفرط على البنية التحتية المصرية، وهو ما يعزز فرص المغرب في الحفاظ على موقعه الريادي إقليميا. وفي ما يتعلق بالسوق الروسية، أوضح التقرير أن المغرب لا يزال أقل جاذبية للسياح الروس مقارنة بمصر، بسبب محدودية الرحلات المباشرة وارتفاع تكلفة السفر، حيث أشار التقرير إلى أن شركة الخطوط الملكية المغربية هي الشركة المغربية الوحيدة التي تؤمن رحلات إلى روسيا، من خلال خط موسكو – الدارالبيضاء برحلات يومية، تنطلق من مطار دوموديدوفو في موسكو على الساعة 07:35 وتصل إلى الدارالبيضاء على الساعة 11:50 بالتوقيت المحلي، فيما تنطلق رحلة العودة من الدارالبيضاء على الساعة 22:20 لتصل إلى موسكو على الساعة 06:35 من اليوم الموالي، بزمن رحلة يقارب 6 ساعات و15 دقيقة، إضافة إلى خط سان بطرسبورغ – الدارالبيضاء بثلاث رحلات أسبوعيا، تنطلق على الساعة 08:05 وتصل على الساعة 11:45، وتعود الرحلة على الساعة 23:10 لتصل إلى سان بطرسبورغ على الساعة 06:55 من اليوم التالي، بزمن رحلة يقارب 7 ساعات. ويؤكد التقرير أن المغرب مرشح لتعزيز جاذبيته في السوق الروسية مستقبلا في حال زيادة عدد الرحلات المباشرة وتخفيض تكاليف السفر، بالنظر إلى ما يقدمه من تنوع ثقافي يجمع بين الثقافة الإفريقية والعربية، إضافة إلى الشواطئ، والمدن التاريخية، والمناظر الصحراوية، والاستثمارات المتواصلة في تطوير البنية التحتية السياحية وجودة الخدمات. ويخلص التقرير إلى أن السوق السياحية في شمال إفريقيا تعرف تحولا هيكليا حقيقيا، يتمثل في صعود المغرب كقوة سياحية إقليمية رائدة، بفضل سياسة الانفتاح الجوي، والاستقرار السياسي، وتنوع العرض السياحي، والاستثمار في العنصر البشري، مقابل سعي مصر إلى استعادة موقعها الريادي عبر مشاريع ضخمة واستهداف السياحة الفاخرة، غير أن المؤشرات الرقمية لسنة 2025 تؤكد أن المغرب بات في موقع متقدم استراتيجيا، وأن المنافسة بين البلدين ستستمر خلال السنوات المقبلة، بما يفتح آفاقا جديدة لتطوير السياحة في شمال إفريقيا ويمنح المغرب فرصة تاريخية لترسيخ موقعه كوجهة سياحية عالمية رائدة.