معطيات مثيرة للغاية بخصوص انتخابات 23 شتنبر ونوايا التصويت لدى المغاربة كشفها استطلاع الرأي الذي نشره الصحافي توفيق بوعشرين على صفحته الفيسبوكية. غداة عيد الفطر، طرح صاحب بودكاست "كلام في السياسة" سؤالا مباشراً على متابعيه الذين يتجاوزون 500 ألف : هل ستشاركون في انتخابات شتنبر المقبل ؟ لقي السؤال تفاعلاً من طرف أزيد من 6 ألاف متابع عبروا بصراحة عن موقفهم من المشاركة في سادس اقتراع تشريعي يجرى في عهد الملك محمد السادس، غير أن نتائج هذا الاستطلاع مرت دون أن يهتم بها العارفون بخبايا المطبخ السياسي، أو ربما فضلوا تجاهلها لأنها تحمل في مضمونها إشارات مزعجة لا تروق لمن يريد تسويق صورة وردية عن الحماس الانتخابي في زمن الموت السياسي. وإذا كانت وزارة الداخلية لا تحب استطلاعات الرأي المستقلة التي تقدم لمحة عن خبايا الصدور، فإن معطيات استطلاع مؤسس جريدة "أخبار اليوم" المتوقفة عن الصدور تكشف أن الترمومتر الشعبي يغلي في اتجاه مغاير تماماً لما ترسمه أم الوزارات من هندسة دقيقة لخريطة ما بعد 23 شتنبر. فيما يلي أهم الخلاصات التي يقدمها استطلاع الصحافي توفيق بوعشرين : 1- على بعد ستة أشهر فقط من موعد الانتخابات، كشف الاستطلاع أن أزيد من %70 من المعلنين عن نواياهم لن يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع يوم الأربعاء 23 شتنبر المقبل. معنى هذا، بلسان الأرقام الباردة، أنه إذا كانت نسبة المشاركة في انتخابات 2007 قد توقفت عند عتبة %37، فإننا اليوم، في 2026، مرشحون فوق العادة لتحطيم هذا الرقم القياسي في العزوف، ليس لأن المغاربة لا يحبون السياسة؛ بل لأنهم باتوا يرفضون أن يكونوا مجرد كومبارس في مشهد تُكتبُ نهايته قبل أن يبدأ، ولأن المسافة بين تطلعات المواطنين وعروض الدكاكين الحزبية اتسعت لدرجة لم تعد معها صناديق الاقتراع قادرة على ردم الهوة. 2- بالنسبة للذين اختاروا قول "نعم" للمشاركة، برزت في التعليقات ظاهرة مثيرة للانتباه؛ تتمثل في أن جلّ من عبروا عن رغبتهم في التوجه إلى صناديق الاقتراع، ربطوا خطوتهم تلك بالتصويت على حزب العدالة والتنمية. المثير في الأمر، أن هذا الانحياز لم يأتِ بالضرورة من قواعد الحزب أو مريديه الأوفياء، بل من فئات واسعة لا تربطها بالمصباح صلة تنظيمية.. هذا يعني، أنه رغم أن حصيلة البيجيدي خلال 10 سنوات كانت عبارة عن خيبة أمل كبرى، ورغم تگرديعة انتخابات 2021، فإن فئة من المصوتين تريد التصويت على إخوان بنكيران في شتنبر المقبل. وإذا أخذنا بعين الاعتبار قاعدة علمية معروفة في تقنية استطلاع آراء المستهلكين، تقول إن كل بضاعة جيدة يريدها شخص واحد ويعلن عن ذلك، فإن خلفه 27 فرداً آخرين يريدون نفس البضاعة دون أن يعبروا عن رغبتهم؛ فإن هذا يعني أنه ليس كل الناس الذين يعتزمون التصويت على البيجيدي قد عبروا عن ذلك في هذا الاستطلاع.. فكيف ستتعامل الدولة مرة أخرى مع احتمال عودة بنكيران وإخوانه إلى الواجهة ؟ 3- لا أحد من المعلقين قال بأنه سيصوت على حزب الاستقلال أو على حزب الأصالة والمعاصرة، وكأن هذين الحزبين تبخّرا من الخارطة الوجدانية للمغاربة وباتا بلا امتداد شعبي. هذا المعطى يؤكد بالملموس أن الميزان والجرار قد تحولا معاً إلى أحزاب أعيان بامتياز، وأن مقاعدهما المفترضة في استحقاقات شتنبر لن تُقطف من شجرة الإرادة الشعبية، وإنما ستُحصد بفضل نفوذ المال، وسلطة الجاه، وصخب الولائم الانتخابية التي تقام على أنقاض وعي المواطن البسيط. وإذا كان حزب ابنة الباشا قد ظل منذ صرخته الأولى في 2008 مجرد تكتل للمصالح وشبكة للأعيان الباحثين عن مظلة السلطة، فإن الفاجعة الكبرى تكمن في تحوّل حزب علال الفاسي، في عهد حفيده نزار بركة، إلى مجرد ماكينة انتخابية باردة لا تتحرك تروسها إلا بوقود الأعيان، وكأن التاريخ السياسي الطويل لأب الأحزاب قد تمت مقايضته في المزاد الانتخابي بحفنة من المقاعد المضمونة سلفاً. الخلاصة التي يمكن استخراجها من هذا الاستطلاع العفوي هي أننا سنشهد، لأول مرة في تاريخ المغرب السياسي، تنظيم انتخابات بلا طعم ولا لون ولا رائحة؛ فجميع المؤشرات السياسية المتوفرة، إلى حدود كتابة هذه الأسطر، تقول بأن انتخابات 23 شتنبر ستكون أكثر انتخابات مُحبِطة، ليس فقط لغياب عرض سياسي جديد قادر على الإقناع، بل أيضاً لانعدام أي نقاش سياسي ومجتمعي يُكسّر رتابة هذا الصمت الجنائزي الذي يسبق موعد التوجه إلى صناديق الاقتراع. في تقديري، وحده خطاب الملك بمناسبة عيد العرش، في يوليوز المقبل، هو من سيُكسّر هذه الرتابة القاتلة، وسيحدد معالم المرحلة المقبلة وأولوياتها، ويعطي النغمة الناظمة التي ستجري على إيقاعها الحملة الانتخابية.. وفي انتظار ذلك، ها نحن نؤدي الثمن الباهظ لقتل السياسة في البلد.