تشهد السواحل الشمالية للمملكة، وتحديدا في محيط المركب المينائي "طنجة المتوسط"، تكدسا استثنائيا للسفن التجارية، وذلك بفعل ارتدادات التوترات الجيوسياسية على مسارات الملاحة الدولية وسلاسل توريد الطاقة. وأفادت بيانات حديثة رصدتها منصة "مارين ترافيك" (MarineTraffic) المتخصصة في تتبع حركة الملاحة، مدعومة بصور جوية وثقت في الثاني من مارس 2026، بوجود عشرات القطع البحرية الراسية في عرض البحر. وهو ما عكس الضغط المتزايد على واحدة من أهم الشرايين البحرية الاستراتيجية التي تربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ويعزى هذا الازدحام الملاحي اللافت إلى تقاطع ثلاثة عوامل رئيسية؛ يتصدرها الزخم التشغيلي القياسي الذي يسجله ميناء طنجة المتوسط، إثر الارتفاع غير المسبوق في وتيرة أنشطة المسافنة (إعادة الشحن)، وتنامي دوره كمركز محوري لربط الخطوط التجارية بين أسواق الشرق والغرب. وإلى جانب الكثافة التجارية، لعبت التغيرات المناخية دوراً حاسماً في هذا التكدس؛ إذ أجبرت الرياح العاتية والتيارات البحرية القوية في مضيق جبل طارق العديد من السفن على اللجوء إلى مناطق الإرساء الآمنة شرقي المضيق قبالة السواحل المغربية، في انتظار انقشاع سوء الأحوال الجوية وتلقي أذونات الدخول إلى الأرصفة المينائية. وعلى الصعيد الجيوسياسي، ألقت التوترات الأمنية المستمرة في منطقة الخليج ومضيق هرمز بظلالها على حركة الشحن العالمية، حيث عمدت كبريات الشركات الملاحية إلى إعادة توجيه مساراتها التقليدية. وقد أدى هذا التحول الاستراتيجي إلى الاعتماد المكثف على محور طنجة المتوسط كمحطة آمنة ورئيسية لإعادة توزيع الشحنات المتجهة صوب أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين. وباتت المياه المغربية في هذه المنطقة الحيوية تشكل نقطة تمركز مؤقتة ومفضلة لناقلات النفط والغاز الضخمة وسفن الحاويات العملاقة، التي تختار الانتظار في بيئة ملاحية آمنة بدلاً من المغامرة في ممرات بحرية محفوفة بالمخاطر الأمنية.