تسليط الضوء على" قصة نجاح" ميناء طنجة المتوسط خلال الاجتماعين السنويين للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي    شركة غوغل تحذر من زيادة عمليات القرصنة الإلكترونية    النصيري مطلوب بقوة في الدوري الانجليزي    الدورة السادسة من البطولة الاحترافية : الشباب السالمي يتحدى الدفاع الجديدي بملعب العبدي    متى يستفيق «التخدير» من «البنج» ؟    طنجة: يوم تحسيسي حول مكافحة وصم الأشخاص المصابين باضطرابات نفسية    توزيع 23 حافلة للنقل المدرسي على الجماعات الترابية بإقليم العرائش    أمن مراكش يداهم "ڤيلتين" حوّلتا نشاطهما لحانة + صور    المخرج السينمائي السوري محمد ملص… حكايات على مقام السينما    باريس سان جيرمان يفلت من كمين أنجيه    نحو زراعة 30 ألف هكتار بالزيتون ضمن استراتيجية الجيل الأخضر بجهة الشمال    الرجاء يُجري حصته التدريبية ما قبل الأخيرة استعداداً لمنازلة أويلزر بحضور مكعازي المتواجد في اللائحة لأول مرة    "Morocco Now" تزين جدران المباني العملاقة في ساحة "تايم سكوير" بنيويورك الأمريكية    الفيلم الريفي "دريز ن تمازغا" يحصل على الجائزة الوطنية للفيلم الأمازيغي    المغرب يمدد فترة العروض لبناء وتشغيل وحدة عائمة لتخزين وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى غاز    مداخيل الجمارك في 9 أشهر تتجاوز 51 مليار درهم    بنموسى يدشن عمله الوزاري بعقد لقاء مع الكتاب العامين للنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية والتداول في عدد من الملفات الهامة، وهذه أبرزها:    استنفار أمني بسبب فيديو يوثق لسرقة وتعنيف مواطنين بالدار البيضاء    أنسو فاتي لخورخي مينديز: "أريد برشلونة فقط"    وكيل الملك بالرباط يتفاجأ بنشر بيان مغلوط من قبل "هيئة التضامن مع المعطي منجب"    المغرب على موعد قريب مع التخفيف الشامل للطوارئ و"قيود كورونا"    "كورونا" يجد طريقه إلى زنزانة ناصر الزفزافي بسجن طنجة    صراعات قديمة يمكن أن تكون السبب في إقالة الوزيرة الرميلي    بعنوان "Désolé".. جبران الشرجي يطرح أولى أغنياته    السيطرة على حريق بسوق شعبي بالدار البيضاء دون تسجيل ضحايا    انعقاد مجلس الحكومة غدا السبت    الجمعيات المدنية وسؤال إحياء المولديات المغربية 2/2    الاتحاد العام لمقاولات المغرب يقدم كتابه الأبيض "نحو نمو اقتصادي قوي.. مستدام ومسؤول"    بريطانيا.. اغتيال برلماني مخضرم داخل كنيسة يجبر "جونسون" على العودة إلى لندن    مضيان يقطر الشمع على اخنوش وكاد يفجر التحالف الحكومي    طنجة..كورونا تصل لجسد "ناصر الزفزافي" و "محمد الجاكي" بالسجن    قوات الأمن تفرق بالقوة مسيرة أساتذة التعاقد وتعتقل عدد منهم    تتصدرها جهة الرباط.. إليكم التوزيع الجغرافي للحالات المصابة بكورونا    تفاؤل عام بمجلس الأمن إثر تعيين المبعوث الجديد إلى الصحراء المغربية    فتاح العلوي تشارك في الاجتماع ال104 للجنة التنمية    التعريض بالجناب النبوي في بلاد الإسلام.. رب ضارة نافعة    ألمانيا ترفع المغرب من قائمة "الخطورة الوبائية" للسفر    المرزوقي : قيس سعيّد دكتاتور يريد أن يعيد حكم بن علي إلى تونس    62 قتيلا في انفجار بمسجد للشيعة في أفغانستان    قطبي يسلم زوجة ماكرون دليل-كتاب معرض "أوجين دولاكروا" المنظم بالرباط    السعودية تلغي إلزامية ارتداء الكمامة والتباعد ضمن إجراءات تخفيف الاحترازات الصحية    5865 إصابة نشطة بكورونا في المغرب والحالات الصعبة والحرجة تبلغ 414    اشتباكات بيروت: هل يقف لبنان على حافة حرب أهلية؟ – صحف عربية    تعيين المغربي فتح الله السجلماسي أول مدير عام لمفوضية الاتحاد الإفريقي    عجلة البطولة الاحترافية "إنوي" تعود إلى الدوران بإجراء الجولة السادسة والجامعة تكشف عن تعيينات الحكام    المغرب حاضر بثلاث أعمال سينمائية بمهرجان الجونة السينمائي    أسامة غريب ينضم إلى قائمة المرشحين لتولي منصب رئيس اتحاد طنجة    المغرب منها ولها القريب    عشرات القتلى والجرحى جراء انفجار داخل مسجد للشيعة في أفغانستان    زواج عائشة.. نص في مقرر للتعليم الإبتدائي يثير الجدل ويغضب شيوخ السلفية    السجن مدى الحياة للمليونير الأمريكي روبرت دورست بتهمة قتل زوجته وعشيقته    مونديال قطر 2022.. نتائج الجولة 12 وترتيب تصفيات أميركا الجنوبية    الحافظي يزور محطة عبد المومن لتحويل الطاقة    منظمة الصحة العالمية جائحة كورونا زادت من وفيات مرضى السل للمرة الأولى    حقيقة وفاة النجم المصري عادل إمام    دعوة لثقافة فولتير    بعد نص الاجتماعيات.. ذ.خالد مبروك يكتب: "مصيبة التعليم"!    الشيخ عمر القزابري يكتب: الزمُوا حَدَّكُمْ.. إِنّهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم!!!    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في ذكرى انطلاقة حركة فتح : حركة فتح . . الانطلاق من الواقع
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 02 - 01 - 2012

لم تولد نظرية فتح الثورية كوصفة مسبقة, ولكنها ولدت في بؤرة الممارسة والواقع، ولدت عبر مجريات الحياة ومتطلباتها وفقا لقانون الضرورة. إذ انبثقت من مرارة المعاناة والتشرد والنكبة ومن مرارة الشعور بخذلان الأنظمة وقصور الحالة العربية، وفي أوار التحدي الصعب. لذلك جاءت وليدة الواقع ونصب عينيها الطموح. وصفة الانطلاق من الواقع لدى فتح ليست صفة لمجرد التغني بها أو لمجرد إبرازها بالمزايا والمدائح، ولكنها صفة من قوانين النظرية الثورية التي تريد أن تتعامل مع الأشياء بهدف تغييرها في نفس الوقت، فمن الواقع تستمد عناصر تغييره وعبر قوانينه تشق الخطى نحو الأهداف المختلفة كليا عنه. إذن فقد ارتبط ميلاد فتح بحوافز الحياة ذاتها التي يعيشها شعب فتح، واستخدمت المكونات الواقعية وصياغة حلمه في خطوة أولى صغيرة جدا تشق الطريق وهي تستخدم إمكانيات الإنسان بعوامل قوته وعوامل ضعفه، وتحاول أن تلامس وتر القوة وتتجاوز مكامن الضعف لتخلق الجديد.
لقد صاغت فتح أولا بلورة الحوافز وتجسيدها في حالة القوة الدافعة ، وثانيا الأهداف التي يجب أن تصل إليها ، وثالثا الوسائل والأساليب ، ورابعا اكتشاف مكمن القوة في وسطها ومكمن الضعف في عدوها ، وخامسا مقدرة التعامل مع المحيط . وبذلك أجابت فتح عن الأسئلة: ماذا نريد وكيف ومتى وبماذا ؟ أي أنها حددت الأهداف والأساليب والتوقيت والأداء ، حددتها ببساطة وبدون تعقيد ولكن بعمق .
ثمة بدايات تنطلق من الأحلام ومن ترابط المنطق, فتأتي جميلة ومنسجمة ومنسقة ، ولكنها لا تملك القدرة على الحياة أو التطبيق أو الممارسة ، ذلك لأنها بعيدة ولم تنطلق من حقائق الحياة . وكثير من المثقفين وأصحاب الخيال يستطيعون أن يتصوروا لأنفسهم برامج وأن يصيغوا منطقا يبدو مفحما ، وبالمقابل كثير من دعاة الواقع يطوقون أنفسهم بإسار الممكن ، ولكن الثوريين وحدهم الذين يجمعون بين الحلم والواقع ويجيدون الإنطلاق نحو الطموح عبر الحقيقة التي تعيش في الحياة وتسير بين الناس . بتعبير آخر لابد من صفتين : الوعي والإرادة ، ومن جانب آخر لابد من الإحساس بوجع الشعب وحاجات الناس ، والمسائل التي تشكل عامل التحريك الداخلي في نفوسهم . لابد من الحس الحي والوجدان السليم ، لأن الإجابة على حاجات الأمة لا يمكن أن تكون وليدة عامل واحد من عوامل المزايا الإنسانية ، إنها وليدة الإكتمال بحده الأدنى . وهو ما يقتضي الفضائل الأربعة : الإرادة والوعي والوجدان السليم وقدرة العمل .عبر ذلك يمكن أن يأتي البدء ابن الواقع ، ابن وجع الناس ، ولكنه حاضنة الحلم مهد الطموح .
عندما جاءت فتح حددت أجوبتها عبر طرق هذا الباب ، باب الواقع ، ووضعت المقتضيات دون خوف أو حساب أو تفكير بالتضحيات . لذلك جاءت الإجابة بنفس وضوح المعاناة. لقد تطلعت فتح حولها فاستنتجت أهدافها وطريقها ، وكان هدفها الأول والأوضح هو تحرير فلسطين تحريرا كاملا ، إذ وجدت أن التحرير عقدة العقد التي ترتبط بها مشاكل الواقع ، وبذلك أرست الإجابة الأولى . ثم وجدت أن لغة القانون والإنتظار واستجداء العالم وتوقع تحرك الآخرين غير مجدية فقالت . . بالشعب الفلسطيني يبدأ الطريق ، ونظرت إلى عدوها فأدركت بسهولة أنه لن يذهب من تلقاء نفسه أو بالإقناع ، ولكنه سوف يزول بالكفاح المسلح ، وأنه عدو يمتلك القوة والدعم ولا بد من التفرغ له وحده ، ولابد من تحديد التناقض الرئيسي بأنه التناقض القائم معه . وهكذا بدأت فتح .. التحرير ، الوطنية الفلسطينية، الكفاح المسلح .
وعندما قالت فتح " ثورة حتى النصر " حددت مدى الطريق ، البداية والمآل ، بل وحددت طبيعته وملامح أهدافه بكلمات قصيرة مختصرة هي الشعار الأساسي الذي شق طريقه في كل ورقة أو رسالة صدرت عن فتح . وقد خاضت فتح التجربة بكل إيجابياتها وسلبياتها فتعززت النظرية ، وتعززت قوانين البداية ، وأصبحت قوانين البداية في فتح هي ذاتها الجزء الأهم من قوانين النهوض الذاتي لدى مواجهة ضرورته . وباختصار فإن فتح هي الإنطلاق من الواقع باتجاه الطموح ، وهي استخدام عناصر الواقع من أجل تغييره ، وهي لغة العمل والممارسة التي تسترشد بالأهداف ودلائل الطريق،
* * * * *
أصواتنا خشنة لأن وطننا يذبح
لماذا تأتيكم أصواتنا خشنة ؟ لماذا وجوهنا لا ظل لإبتسامة على تجاعيدها ؟ قائمة الأسئلة طويلة ، ومنذ 1917 والعربي الفلسطيني يسأل ، ولكن لا أحد يجيب . يسأل أحيانا بالكلمات يريد إجابة فقط إجابة ، لكن لا حياة لمن تنادي . لماذا صرخ عبد القادر الحسيني عام 1948 : أنتم خونة , سيلعنكم التاريخ , سيكتب أنكم بعتم فلسطين ? سأعود إلى القسطل وأموت هناك ، ومات هناك . لماذا قال تلك الكلمات النارية وخرج مسرعا إلى فلسطين وفي شرايينه نار , لأن أحدا لم يفهم أن القسام استشهد عام 1935 كي تظل الأرض العربية عربية . . لأن الباشوات كانوا ينفذون خطة .
لماذا عيوننا قاسية النظرات , لأننا نجيل أبصارنا حولنا فنحس أن الوطن كله مهدد بالضياع والخراب ، وأن الأمة تمدد جسدها على حافة سيف الغدر دون أن تدري . إن حناجرنا ملتهبة بالكلمات النارية لأن حناجرنا لنا ، منا ، في الكلمات التي نعد منها خفق قلوبنا المعذبة بحب هذا الوطن ، الخائفة على هذا الوطن . نحن الذين لم نؤجر حناجرنا لأحد ، ولن نفعل . نحن الذين نتقدم بخطوات ثابتة ونترك على التراب الدم النازف منا ، ونفجر أغنيات الأمل لأن شعبنا كذلك . نحن الذين أكلنا القيد الفولاذي الشرس ? الذي طوق أيدينا وكبلنا طويلا ? بأسناننا . نحن الذين نرفض أن يلقننا أحد كائنا من كان ، ما نقوله . نحن علمنا البندقية أن تكون بندقية ،لا أن تكون عصا ، أو أن تكون قطعة حطب ، أو أداة للإستعراض ، أو هراوة تسقط فوق رأس الشعب حين يقول" لا "
كل صوت خشن هو صوتنا . . كل كلمة نار هي كلماتنا . الذين أصواتهم هزيلة ليسوا منا ، لأننا نحن من مخيم الوحدات ومخيم تل الزعتر ومخيم اليرموك ومخيم جباليا ومخيم بلاطة . . لأننا نحن إمتداد للقسام والحسيني . لأننا نحن حملنا بأيدينا أجساد إخوتنا التي ثقبها الرصاص الصهيوني وحتى العربي ، لأننا لا نحترف تجارة الكلام وتدبيج المقالات ورسم القصائد.
* * * * *
حالة حب
هل سمعتم بمدن لا تنام ، تسافر بالقرى والمخيمات ، تزرع بذور الحرية. كل مدينة همها الحرية لا تنام ، إما النوم وإما الحرية . . تدرك قرى ومخيمات ومدن الأرض الفلسطينية عمق هذه العلاقة بين الحرية والنوم ، فتختار الحرية ، وتفرك عيونها كطائر البحر ، وتصهل كفرس عربية أصيلة . . وداعا أيها النوم . قد تضيء سراجا في حلكة الليل ، ولكن لتحكم في تلك الساعات عبوة الكبريت الموعودة بالصدام مع الغزاة . الصباح قادم ، هل نحب الحرب ؟ نحب الحرية . . هل نحب الحرب؟ نريد طريق الحياة . . هل نحب الحرب ؟ مصممون على الظفر بالوطن .
والمدن المحتلة لا تنام ، تنهض كل آن . من يريد أن يصنع مستقبله لا يجوز أن ينام . ومن يريد أن يكون جديرا بالمدن والقرى, كل المدن والقرى , يجب أن يضع حدا فاصلا بين الإسترخاء والعطاء ، حدا فاصلا بين النوم والحياة ، الموت والحياة ، حدا فاصلا لا تخترقه لحظة وجع ، وآه على نوم مضيء أو نوم حاضر . في كل صباح تستجمع المدن والقرى والمخيمات المحتلة ذاتها ، هذا فعل جديد ، ولتكن عبوة اليوم في شارع مظاهرة الأمس ، ولتكن تظاهرة اليوم في شارع آخر . . في فعل المقاومة تتحد القلوب والعقول ، وتكون القرى والمدن والمخيمات في حالة الفعل الواحد .
كلما يركض في شوارع بلادنا الغزاة تسقط كل الأسئلة ما عدا سؤال واحد يملأ كل البدن والعقل : كيف نسقط الغزاة في حالة العجز ؟ كيف نجعلهم يركبون البحر إلى العيون الزرق التي منها قدموا . عيون الغزاة غير عيوننا في اللون والنظرة . . كلما يركض في شوارع بلادنا الغزاة ، لا بد أن يتحسس كل الأطفال حجارتهم ، وأن يهيء الشباب أنفسهم للحرب ، ونحن في حالة الحرب حتى النصر النهائي .
أن تكون عاشقا للحرية ، تكون كل الحدود بوابات دخول للوطن . أن تكون عاشق وطن ، تكون فيه في كل فعل وفي كل أمل في كل قول ، ومن أجله وداعا للنوم . أيها الوطن ، من أجلك نتحد ، نقاتل ، نعبر كل البوابات ، ومن أجلك كل الحوارات لا تبتعد عن أن تكون دربا إليك . . فأنت الواحد والموحد . . وأنت القادم والمقدم .
* * * * *
يا ولدي أبوك الوطن وأمك الأرض
يا ولدي . . صباح الخير ، لغة الشهيد لا تنتهي، تتجدد مع كل نبتة وزهرة تطلعها الأرض . وتحضر ملامحه ريانة مع كل هتاف يطلقه الأحياء ضد الغزاة . لا شيء ينتهي ، والشهيد وحده اللغة المعاصرة والمدركة لكل شيء ضده . الموت يقابل الحياة ، والطغيان يجابه العدل ، والإستشهاد يناقض حالة القبول للموت والطغيان والغزو ، والأمل ضد اليأس ، والعدل مقابل الجور والظلم . . تكيف لغة الشهيد عافية الحياة .
مضى ، حتى يظل الزيتون في بلادنا في حالة العطاء . مضى، حتى تنفي ذاتنا لعنة الغربة ولزوجة الذل .مضى ، حتى ينهض الأطفال في وطن لهم ، ويغرفوا من الحياة بدون وجل أو حتى كلمة تطل في لحظة قاسية تتكلم عن الأوطان حين لا يكون هناك وطن . مضى ، حتى يقول لنا أن بإمكان الإنسان في لحظة العطاء أن يكون كبيرا بحجم الوطن .
يا كل الشهداء ، فتح تنمو . يا كل الشهداء فلسطين تقترب ، وبلادنا كل البلاد التي أحببتم تعلن أنها في حالة الولادة ، أنتم المخاض ، أنتم المخاض . ونذكر أن الحزن في حالة الشهادة فعل وعطاء . ونذكر أن البنادق في أيدي الإخوة استمرار ، وأن فلسطين قادمة .واحدا واحدا ، في أي أرض زرعتم دمكم ،نذكركم . . نعاهدكم واحدا واحدا ، وروحا روحا ، أن الكل قادم وأن فتح قادمة ، والدرب يضيء بدمكم ، والزرع ينمو بعطائكم .
وتقول الأم ، يا ولدي أبوك الوطن ، وأمك الأرض ، وشاهدك فلسطين ودربك الحياة ، 1965 -2012 . عام إثر عام ، وجمر فوق جمر ، ونصر فوق نصر ، وخطانا لم تزل على الدرب ، ودائرة الثورة تواصل السعي للإكتمال ، بالشعب والنار ، بالإندفاع والحجارة ، بالتصميم والعزيمة يتواصل الإكتمال من الهجرة إلى الوطن ، ومن الغربة إلى الوطن ، ومن النار إلى الثورة إلى الوطن ، قدوما إلى الوطن .
وعام مضى ، منه الصعوبات وفيه الإنتصارات . وعام يجيء فيه الصعوبات وفيه إنتصارات ليست تتشابه ، بل تتابع لمنطق الثورة . وحديها في الدخول من دائرة الصعوبة والقتال إلى دائرة العودة والوطن . نجتاز دربنا ونمشي ، طريقنا نعرفه بكل تعرجاته ومشاقه ، ولكن نعرف باليقين أن فلسطين في آخر الدرب تنتظر الوصول ، وأن فلسطين قادمة مثلما نحن ذاهبون إلى القتال .
التاريخ مع الثورة ، والزمان مع الرجال ، والوطن يليق بالتاريخ والثورة والزمان والقتال والرجال ، والإنسان يصنع التاريخ ، يفجر نيران الثورة . والزمان لا يملك خيارا إلا الوقوف مع التاريخ والثورة والرجال .
1965 - 2012 وفتح ديمومة الثورة والعاصفة شعلة الكفاح المسلح ، بالعطاء نتقدم ، وبالقتال بالثورة نأتي . ويا أيها الوطن إليك ترنو العيون ، وإليك الرجال قادمون ، وإلى فتح عهد المسيرة وعهد البنادق ، ثورة ثورة حتى النصر . وستظل فتح أكبر من الصعوبات وأكبر من المؤامرات ، ومن نار إلى نار تكبر فتح تصير مع كل معركة بحجم فلسطين . . إنه لعهد الإنطلاقة ، وعهد المسيرة حتى النصر .
* * * * *
أمي والرصاصة التالية
أمي . . في الزمن الفاصل بين رصاصتين أحاول لملمة بضع قطرات من دمي ، لأنسج منها وشاحا أدثر به حلمي وصورتك . فقد علمني زمن الرصاص أشياء كثيرة . . علمني كيف أسرق من الموت لحظة وأذوب في حلم يسافر فيه جرحي ليلهو كطفل في أزقة جديلة من شعرك تفوح منها رائحة أزهار اللوز وبعض حكايات من ليالي الشتاء ، فيعود جرحي من الحلم راقصا ينتظر بكل الشوق موعد الرصاصة التالية . . علمني أن الحلم يكبر كلما كان جرحي أكبر ، فالجرح الكبير وحده قادر على إحتضان خريطة الوطن ، ووحده المتسع دوما ليصير محرابا لكل العاشقين ، وكلما ازداد عددهم زغرد الجرح ، وهيأ نفسه ليكون أكثر إتساعا لإستقبال الرصاصة التالية .
علمني أن الدم النازف منا يعرف طريقه إلى قنوات تحت الأنقاض ، وتتجمع كلها لتصب في مزرعة من بلادي لتثمر برتقالة هدية لطفل في اليوم الأول للعيد ، عندها يصبح لا فرق بين الدم وأشجار البرتقال ، فكلاهما يقدم ذاته ليرسم ابتسامة على شفة طفل ، فيعبث الطفل بحفنة من الرمل ويبني منها بيتا صغيرا ، ثم يرفع يده عاليا ويلوح بعلامة النصر في وجه الرصاصة التالية . . علمني أنك البعيدة عني عندما لا أقاتل ، ولكن حين أكون في زمن الجرح وأختلس الحلم من الزمن الفاصل بين رصاصتين ، فإن المسافة بيني وبينك تصبح كالمسافة بين إصبعي والزناد ، وتتلاشى المسافة مع صوت الرصاصة التالية .
أمي . . سأعود الآن من الحلم ، أما صورتك المحفورة في الذاكرة ، فأنا بها أعشق جرحي ، وأكون قادرا على السفر بالجرح مرة ثانية، وسأحمل جرحي وصورتك وأستعد للرصاصة التالية.
في ذكرى إنطلاقة فتح
... إليهم
إلى الذين علمونا كيف نحب الوطن . . إلى الذين بوجودهم جعلوا للوطن قيمة تستحق أن يموت الإنسان من أجلها .. إلى الذين برهنوا للعالم أن إرادة الشعوب لا تقهر . . إلى الذين تحولت الحجارة في أيديهم قنابل ، والعصي مدافع ، ونظراتهم زخات رصاص . . إلى الذين جعلوا المحتلين يخافون من أي فلسطيني يضع يده في جيبه ، أو يحمل سكينا صغيرا أو يضع في عنقه خارطة فلسطين .
إلى أهلنا الذين قدموا ولا زالوا يقدمون قوافل الشهداء منذ حوالي القرن . إنكم بكفاحكم اليومي تزيدون عزيمتنا مضاء . بتحديكم لمخططات التهويد والتهجير تزيدون من ثباتنا على المباديء ، ومن إصرارنا على تحقيق الأهداف التي سقط من أجلها الشهداء .
إنكم ومن داخل معتقلكم الكبير ، بوحدتكم وبطولاتكم وصمودكم ، كنتم وستكونون ولا شك وراء نجاح مساعي تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية ، على طريق تصليب القبضة الفلسطينية في مواجهة مؤامرات الصهيونية والإمبريالية وعملائهما في المنطقة .
إليكم نبعث بكل ما تستحقونه من اعتزاز وتقدير ، ونعاهدكم أن نستمر في الثورة حتى تتنفسوا الهواء النقي الخالي من السموم الصهيونية . . وأن نبقى أوفياء لدماء الشهداء وأنات الجرحى وزفرات المعتقلين . . حتى النصر.
* * * * *
بلا عنوان
مات والدي دون أن أراه ، ولكن من حضروا الوفاة وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة قالوا أنه كان يوميء إلى جيوبه ، وبعد أن لفظ أنفاسه وجدوا فيها ( كوشانا ) أوراق ملكية للأرض التي حرم منها وعاش عمره حالما بالعودة إليها . كانت الأوراق صفراء تآكلت طياتها ، ولكن حروفها واضحة ، صالحة للإثبات . وجدوا حقلا صغيرا لسنابل القمح ، وظلا لشجرة عتيقة تضرب ساقها في قاع الأرض ، وأغلب الظن أنها زيتونة عجوز في باحة الدار .
في عقدة منديله وجدوا مفتاحا قديما ، وخاتم عرسه الفضي ، وقطعة من الذكريات السعيدة ، ملفوفة بقصاصة جريدة تحمل خبر استشهاد عزيز سقط منذ ثلاثة عشر عاما . في وصيته يدلنا على الموضع الذي دفن فيه الفأس في الحقل ، ويطلب أن نصنع من عصاه سارية للعلم ، نرفعها فوق الدار عندما نعود .
وداعا يا والدي .. وعهدا أن يكون لك ما طلبت . ونقسم لك قسما كبيرا . . كقسم الثورة الذي يقسمه الإنسان مرة واحدة وللأبد . . فنم قرير العين .
* * * * *
إلى شهيد ما
يكبر وجهك ، يتسع لكل دروب العالم . إني أتساءل أنى كان سقوطك, هل ظل خيال فلسطين حميما مطبوعا فوق شغاف القلب . . في باريس ، في نابلس ، على سفح عرمون ، في مخيم عين الحلوة ، في سجن عسقلان . . أيها الوجه الذي ترتسم على خطوط الهم بصفحته كل مآسي الوطن العربي . لن تغرب عنا يا رسم الفولاذ ، وانت تلاحق من كل الأنظمة المستسلمة وكل الأيدي القذرة . هل طاف بخلدك يوما أن الأطفال يمدون الأيدي نحو رموشك لتداعبها ، وأن صبايانا قد رسمن على الصدر جبينك وهو يخضب بالدم . إنك لن تغرب عنا أبدا . . تقتات الأجيال بلحمك ، فأنت بذلت لحم لحمك خبزا ودماءك ماء . لا تحزن ، لن نبكيك ، فلما يأت زمان الدمع .
سلاما ، إنك لم تبحث عن حربك ، هم فرضوها . . أنت أردت الوطن وخبز الأطفال ، وهم ولغوا في دم هذا الكون ، تصديت لهم بجبينك ، بالأيدي العارية ، بسلاح الشرفاء على الأرض . ولما انهرت على أرض الوطن ، على طرف رصيف في روما أو باريس ، على ضفة نهر الليطاني أو نهر الأردن . هل أدركت بأنك قد أدميت قلوبهم النجسة ، مزقت الأوهام التافهة بأنهم قدر العالم ، أنهم آلهة الموت . هل أدركت بأنك قلت لهم بعيونك وهي تحدق ، تقاتلهم ، أنهم سوف يزولون ككل قراصنة التاريخ . يا وجهك ، كبراعم برقوق فلسطين . . نحبك . . صدقنا . أنت خلود الوطن . . فهل هذا يكفي لعزائك .
لن نبكيك الآن ، فلما يأت زمان الدمع . سنحفر في صخرة بيت المقدس عينيك . عهدا أنك لن تغرب ، أنك تشرق دوما مع كل صباح . إنك تزهر مع أعشاب ربيع بلادي . . إن الريح تتمتم باسمك وهي تداعب أغصان الحور وأشجار الدفلى في ماء الأردن الضحل . . وأنك مت فداء الزمن العربي الرديء ، كي يشرق فجر الأحرار . . فجر فلسطين.
* * * * *
من محمود درويش إلى القائد الشهيد أبو عمار
معك
نمشي ونختلف ، نمشي وأكتشف ، أني معك
أبعدتني ، وأنا معك
ثلمت روحي مرتين ولم أخصك بالمجاملة التي ترجو
وعيني لم تفض إلا بأحلامي
وأيامي تقص علي آلامي معك
إني لأعترف
بعض الحرائق عرسنا الناري
لكن بعضها ترف
ولقد نقاوم أن تساوم
أو تداوم عند منطقة اللعب
ونموت من ضجر أمام تداخل الأضواء
ما بين الحقيقة والكذب
لكننا نحميك منك لنتبعك
وإذا تطاول منحن لينال من كوفية الحلم المحرم
أنشبت أظفارنا أظفارها
حتى نراه بعاره المسحوب يلتحف
لكننا في الوقت هذا
داخل البيت الوفي نظل نختلف
وخلاصة ، نمشي ونكتشف
أنا معك
* * * * *
المخيم علامة المنفى وذاكرة الوطن
المخيم الفلسطيني ، علامة المنفى وذاكرة الوطن وشاهد القضية ، لماذا يتعرض لكل فنون الذبح وكل محاولات الإبادة ؟ ولماذا يحتشد ضده كل هؤلاء الأعداء دفعة واحدة ، يحضرون له المراثي الطويلة ، ثم يشحذون خناجرهم في الخفاء ليستبيحوا دمه ، ويوزعوا أشلاء لحمه الحي على موائد المؤامرة؟؟
المخيم الفلسطيني ، زرعوه ذات يوم قبل أكثر من ستين سنة ، مثل علامة تائهة على الحدود الضائعة ، فإذا به يتحول بفعل التطهر في الدموع والعذاب والحنين الوطني إلى نقطة تحديد المسافات ، ومقياسا للرياح التي تهب ، ونبعا لحياة جديدة ملخصها " ماذا يخسر المشردون سوى خيامهم المقيتة ؟ ". وصار المخيم تشكيلا خاصا بالنكبة والأمل والقضية . . لا هو يشبه المدينة ولا هو يشبه القرية ولا هو يشبه حتى مضارب الخيام للبدو الرحل . تشكيل خاص مفاجيء للجميع ، تنمو فيه الأفكار المحرمة ، وتولد فيه الأجيال التي اكتسبت مهارة الإفلات من خطيئة النسيان .
حينذاك ، في ذلك الوقت المبكر لميلاد المخيم الفلسطيني ، احتشد الأعداء دفعة واحدة وقالوا ( أردناه علامة تائهة ) وإذا به يتحول إلى ( بوابة للذاكرة النارية ) . وحينذاك نفوه ثانية ، أبعدوه عن ملامسة الحدود ، وزرعوه أسفل أقدام المدن الكبيرة سوقا للعمل الرخيص ، ونموذجا مثاليا مقهورا تسطو عليه بقايا الطوائف البائدة ، ورهينة في اليد حين يأتي أوان الحديث المباح عن قضية مباحة في ذلك الزمن اسمها قضية الشعب الفلسطيني . لكن المخيم الفلسطيني نهض من أسفل أقدام المدن الكبيرة التي تغص بالغرباء والمهجنين وسلالات المستعمرين القدامى ، ونسل الصهاينة الجدد . نهض المخيم كأنه القدر الصاخب ، وارتهن الأيدي التي كانت تحتفظ به رهينة في مواسم الكلام ، وامتشق المخيم سيفه وانتصب نواة للأمة وسط صراع الطوائف البائدة.
وحينذاك احتشد الأعداء ضده دفعة واحدة ، وقرروا نفيه من جديد . أعلنوا عن مقاولة كبيرة إسمها الإسكان والتوطين ، من حوض الفرات في أقصى الشمال إلى صحراء سيناء ، ومن أول حدود الصحراء إلى آخر حدود الصحراء . أكثر من خمسين مشروعا كبيرا للإسكان والتوطين . والفلسطيني لا ينسى وطنه ، عليه إذن في منطق الأعداء المحتشدين أن يفقد اسمه ، مسموح له أن يصبح أي شيء عدا أن يظل فلسطينيا.
لقد فكروا في التهجير ، تهجير الفلسطيني وتصديره بلا إسم إلى القارات الأخرى ، إلى ما وراء المحيطات . قال كبار المخططين وصغار المتواطئين وقتها ، أن المشكلة ربما تكمن في أن الفلسطيني لا يجيد حرفة تساعده على التكيف مع النسيان المطلق والإندماج النهائي ، فأقاموا مراكز التدريب المهني والمدارس الصناعية . وما أغباهم ، الفلسطيني لا يعتنق إيديولوجيا يمكن أن يثبت له مع الزمن بطلانها ، والفلسطيني لا يمتهن حرفة عرضة لأن يصيبها الكساد فيهجرها إلى حرفة أخرى رغم ما يشده إليها من أواصر الحنين . الفلسطيني يعتنق فطرة مقدسة ، فطرة الإنتماء الوطني ، فطرة لا تنطبق عليها فلسفة المسافات ، ولا تنطبق عليها رشوة رغيف الخبز ، ولا يستطيع أحد سوى معتنقي الفطرة أنفسهم التنبؤ بانفجاراتها المرتقبة .
وهكذا كان ، دلوني على أي شيء رائع في هذه الأرض المقسمة إلى دول وطوائف وضغائن لم يكن المخيم الفلسطيني نطفته الأولى ، قوة الحلم ، والدم الذي أقوى من السيف ، وقراءة المخبوء وراء الأزمنة ، والطلقة والقنبلة والقصيدة والحزب والخلية وأنشودة الوحدة الشاملة ، وخضرة الصحاري وفكرة الصمود والجيش الذي هو كل الشعب ، والذهاب إختياريا في دورية إنتحارية وسط أعظم حالات التهيج والفرح ؟ كل هذه وتلك وكل ما يمكن وصفه بالبدايات، كان المخيم الفلسطيني نقطته الأولى .
هذا المخيم الفلسطيني علامة المنفى في ذاكرة الوطن، وشاهد القضية . ليس في إمكانه أن يكون وطنا ، لكنه استطاع في كل فصول المأساة أن يكون حديقة للذكريات ، ووعاء لتفاعل الحرية ، ومشتلا للأجيال الفلسطينية الجديدة ،وشهادة على أن كل الأشياء يمكن أن تباع وتشترى ما عدا الوطن . هذا المخيم الفلسطيني أسطورة التماسك ، وأسطورة الإنتشار . كم درسا أعطى للأعداء بأنه لا يحتضن في جوفه سوى المفاجأة ، ولا يحمل في أحشائه سوى الإعصار . . تلك هي آيته ، ولن تجد لآية المخيم الفلسطيني تبديلا .
بلاغ عسكري رقم 1
صادر عن القيادة العامة لقوات العاصفة
بسم الله الرحمن الرحيم
اتكالا منا على الله ، وإيمانا منا بحق شعبنا في الكفاح المسلح لاسترداد وطنه المغتصب..
وإيمانا بواجب الجهاد المقدس . . وإيمانا منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج . . وإيمانا منا بمؤازرة أحرار وشرفاء العالم . فقد تحركت أجنحة من القوات الضاربة في ليلة الجمعة 31/12/1964 وقامت بتنفيذ العمليات المطلوبة منها كاملة ضمن الأرض المحتلة ، وعادت جميعها إلى معسكراتها سالمة .
وإننا لنحذر العدو من القيام بأية إجراءات ضد المدنيين العرب أينما كانوا ، لأن قواتنا سترد على الاعتداء باعتداءات مماثلة ، وسنعتبر هذه الإجراءات من جرائم الحرب .
كما وأننا نحذر جميع الدول من التدخل لصالح العدو بأي شكل كان ، لأن قواتنا سترد على هذا العمل بتعريض مصالح الدول للدمار أينما كانت.
عاشت وحدة شعبنا ، وعاش نضاله لاستعادة كرامته ووطنه
التاريخ 1965/1/1


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.