كانت إسبانيا تعارض اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، كما أنها كانت تعارض إصدار أي «فتوى» ذات علاقة بموضوع الصحراء، وأبدت اعتراضات تبين فيها أن الفتوى تتعارض مع صفة المحكمة القضائية. بل تعللت أيضا بأن المغرب «كان في شتنبر 1974 قد دعاها للاشتراك في تقديمه إلى المحكمة ورفضت هذا الاقتراح» (وثيقة محكمة العدل الدولية)، وأن القضية تتعلق بنزاع حول «إسناد السيادة الاقليمية على الصحراء وأن موافقة الدول والمعنية هنا اسبانيا ضرورية للفصل في هذه المنازعات». وفي هذا الباب اعتبرت المحكمة أن الجمعية العامة، وإِن أشارت إلى أن الخصومة القانونية حول الصحراء، لم يكن هدفها أن تعرض على المحكمة نزاعا أو خصومة قانونية بغية تسويتها تسوية سلمية في ما بعد… وإنما سعت إلى استصدار فتوى تساعدها على ممارسة وظائفها المتعلقة بإنهاء الاستعمار في الإقليم. ولهذا لم تر المحكمة أي مبرر لقبول معارضة إسبانيا لإصدار الرأي الاستشاري أو الفتوي، كما هو وارد في محضر المحكمة. ومعلوم كما هو وارد في ما سبق أن المغرب كان قد بادر، بتنسيق مع موريتانيا، بطلب الرأي الاستشاري من محكمة العدل الدولية بناء على قرار أممي حصل على تصويت واسع داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة.. وكانت هذه الأخيرة، بقرارها رقم3292 الصادر يوم 13 دجنبر 1974 قد تبنت الطلب المغربي الموريتاني المشترك. بعد التدخل الطويل للأستاذ دوبوي، أخذ الكلمة القاضي السويدي الأستاذ بيترين(انظر سيرته أعلاه) ليطرح السؤال التالي: «أرجو من مجلس حكومة المملكة المغربية تزويدنا بمعلومات قد تُلقي الضوء على مسألة المضمون الدقيق للفقرة التاسعة من ديباجة قرار الجمعية العامة 3292 (29)، بصيغته التي اعتمدتها الجمعية في 13 ديسمبر/كانون الأول 1974. ينبثق سؤالي من حقيقة أن هذا القرار أُبلغ إلى المحكمة بنسختين. أولاً، هناك نسخة أُبلغت إلينا ببرقية من المجلس القانوني للأمم المتحدة في 14 ديسمبر/كانون الأول 1974، وفي نصها، وردت الفقرة التاسعة على النحو التالي: "إذ يُلاحظ أن نزاعًا قانونيًا قد نشأ خلال المناقشات المتعلقة بوضع الإقليم المذكور وقت استعماره من قِبل إسبانيا" (الجزء الخامس، ص 369). بعد فترة، تلقينا وثيقة أخرى مصدقة تُفيد بمطابقتها لقرار الجمعية العامة، وفي هذه الوثيقة الثانية، جاء في الديباجة التاسعة ما يلي: "إذ يُلاحظ وجود صعوبة قانونية نشأت خلال المناقشات المتعلقة بوضع الإقليم المذكور وقت استعماره من قِبل إسبانيا (الجزء الثاني، الفصل الرابع، ص 374)." ومع ذلك، عند الاطلاع على المذكرات المقدمة من الدول المعنية بهذا الشأن، يتبين أنها لا تعتقد – أو على الأقل ليس جميعها – أن القرار رقم 2 هو الذي طُرح للتصويت واعتمدته الجمعية العامة في 13 ديسمبر/كانون الأول 1974. لذا، أرجو من محامي حكومة المملكة المغربية توضيح هذه النقطة لنا. وأود توجيه سؤال مماثل إلى محامي الدول الأخرى الممثلة في هذه الجلسة». بعد ذلك تدخل رئيس المحكمة بالقول:« ستنتظر المحكمة إجابة على السؤال الذي طرحه السيد بيترين. يجب أن أذكركم بأن ممثل المغرب ومحاميه يجب أن يظلا تحت تصرف المحكمة خلال هذه الإجراءات للإجابة على أي أسئلة قد تطرحها المحكمة». وتم رفع الجلسة على الساعة الواحدة و5 دقائق.. انعقدت الجلسة الموالية يوم الثلاثاء 13 مايو 1975، وشهدت المداخلة الأولى لممثل موريتانيا، السيد جان سالمون (Jean Salmon)، الذي ركز بدوره على إشكالية طلب تعيين قاضٍ منتدب (Ad hoc) لبلاده. وقد استهل كلمته بتقديم اعتبارات عامة حول مؤسسة القاضي المنتدب، ثم انتقل لتوضيح الإشكالات الرئيسية التي تطرحها هذه المؤسسة في الإجراءات الاستشارية؛ متناولا في عرضه القواعد والممارسات المعمول بها في عهد محكمة العدل الدولية الدائمة، ثم ما استقر عليه العمل في ظل المحكمة الحالية. وقد جاء في معرض مرافعة السيد سالمون " سأبدأ أولاً بعدد من الاعتبارات الأساسية حول مؤسسة القاضي المخصص. من المؤكد أن فكرة القاضي المخصص هي المؤسسة التي تعرضت لانتقادات كثيرة، سواء في الدراسات القانونية أو من قبل عدد من القضاة البارزين. ومع ذلك، عند ملاحظة ممارسات الدول، يدرك المرء أنها، من جانبها، مؤسسة لا جدال فيها. وأعتقد أن هذا يُعزى إلى كل من الحاجة إلى تحقيق العدالة السليمة وخصوصيات المجتمع الدولي. أو المجتمع الدولي، كما يُطلق عليه أحيانًا، الذي نعيش فيه والذي يقوم على الدول ذات السيادة ويتألف منها. يبدو لي أن ضمان العدالة السليمة، قبل كل شيء، هو العنصر الأساسي. وفي هذا الصدد، أقتبس قول القاضي خيمينيز دي أريتشاغا: "إن إنشاء منصب القاضي المنتدب في النظام الأساسي للمحكمة هو نتيجة طبيعية للمبدأ الأساسي المتمثل في المساواة بين الأطراف أمام المحكمة؛ وهو مبدأ مستمد من متطلبات حسن سير العدالة."، يُعدّ القاضي المخصص ضروريًا لتحقيق المساواة بين الأطراف؛ فهو عنصرٌ أساسيٌّ لبناء الثقة بينهم، وضمانةٌ إجرائيةٌ لا غنى عنها في الإجراءات القانونية. لكن ثمة جانبٌ آخر، في رأيي، يبدو جوهريًا للغاية. إن خصوصيات المجتمع الدولي ذي السيادة – وأقولها تحديدًا اليوم، حيث لم يشهد المجتمع الدولي، أو الجماعة الدولية من الناحية القانونية، انقسامًا كهذا من قبل – تُظهر مدى أهمية هذا العنصر في الدفاع عن سيادة الدولة.".