من خلف ستائر الغرف الفاخرة بعروس الشمال، ومن بين ردهات الفنادق التي يدفع ثمن إقامتها بعملة الولاء الأعمى، يطل علينا اليوم من ترك مكاتب العاصمة ليحط الرحال بطنجة، لا بحثا عن خبر يقين، بل لتأدية خدمة مأجورة من تحت الدف. هي حرب بالوكالة، يشنها قلم تعود العيش على مائدات العرابين، بعدما صار دوره ينحصر في تلميع صور باهتة لأخوين تآكلت أرصدتهما في بورصة السياسية المحلية، ولم يتبق لهما من رصيد سوى افتعال الصراعات الفارغة وتصفية الحسابات مع كل من يشكل تهديدا حقيقيا لمجدهما الآفل. ومن المثير للسخرية أن يتحول "الصحفي الرحالة" إلى مجرد بندقية للإيجار في يد عرابيي "حزب الغراب"، يوجه فوهة حبره نحو مسؤول حزبي خصم ذنبه الوحيد أنه كشف عورة "الأخوين" السياسية. هؤلاء الذين يعيشون اليوم مرحلة خريف العمر السياسي، ويشعرون ببرد العزلة يقترب بعدما بدأ البساط يسحب من تحت أقدام رئيسهم، ولم يجدوا بدا من جلب أقلام المياومة لعلها توقف نزيف شعبيتهم التي تهاوت بسبب معاركهم الصبيانية مع الخصوم، تلك المعارك التي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد في حلقة مفرغة من الحقد السياسي. ويبقى اللجوء إلى "خدمات تحت الدف" ليس دليلا على القوة، بل هو أقصى درجات الإفلاس، لأنه حين يعجز "الأخوان" عن المواجهة المباشرة في الميدان، يستنجدون بمن يبيع مواقفه مقابل ليلة مبيت ووجبة دسمة وكؤوس الويسكي، ليصيغ لهما مقالات مسمومة تهاجم الشرفاء دون الجرأة على ذكر أسمائهم. لكن الحقيقة الساطعة في شمس طنجة لا يمكن حجبها بغربال التضليل؛ فالمسؤول الذي ترتعد فرائصهما منه هو الخطر الحقيقي لأنه يمثل المستقبل، بينما يمثل رعاتهما ومستأجروهما ماضيا يلفظ أنفاسه الأخيرة، ماض لم يترك وراءه سوى تصفية الحسابات والحروب العبثية. سيظل القلم الذي يقتات على فتات الفنادق قلما رخيصا مهما حاول التخفي خلف العبارات المنمقة، وستظل "خدمة تحت الدف" مكشوفة أمام وعي الساكنة التي تعرف جيدا من يخدم المدينة بصدق، ومن يخدم "الأخوين" مقابل شيك مدفوع الأجر في صالونات "الغراب". فإلى نزيل الفندق الغريب نقول، عد من حيث أتيت، فطنجة لا ترحب بمن يبيع حبره في أسواق النخاسة السياسية.