بينما كان المغاربة ينتظرون من حزب الكفاءات كشف حسابٍ رقمي يفسر لغز المليار درهم المفقودة، أو يقدم مبررا منطقيا لجيوش العاطلين التي تزحف نحو اليأس، فاجأنا حزب التجمع الوطني للأحرار في مؤتمره الاستثنائي ب "ثورة دموع" لم تكن مدرجة في البرنامج الحكومي. لقد شهدنا مشهدا يكسر قوانين الفيزياء والسياسة معا؛ حيث تحول فجأة رجال الأعمال الصارمون والوزراء التكنوقراط إلى شعراء رومانسيين من العصر الجاهلي، يقفون على أطلال ولاية أخنوش ويبكون بكاء الخنساء على صخرها، في استعراض عاطفي يثير من السخرية أكثر مما يثير من الشفقة. المثير للدهشة في هذه "المندبة" الجماعية هو تلك القدرة العجيبة على ضبط إيقاع الدموع لتنهمر حصريا في القاعات المكيفة وأمام عدسات المؤثرين الموالين، بينما أصيبت هذه القنوات الدمعية بجفاف مزمن حينما كان زلزال الحوز يقتلع القلوب من مكانها، أو حينما كانت فيضانات آسفي والقصر الكبير تغرق بيوت البسطاء في الطين. يبدو أن قلب المسؤول "الأزرق" حساس جدا لوداع ولي النعمة، لكنه يمتلك مرونة حديدية أمام صرخات الجوعى أو أنين المرضى في ممرات المستشفيات. إنها سياسة الدموع الانتقائية التي لا تتحرك إلا إذا مست حرارة الفقدان كراسي المسؤولية، أما نكبات الوطن فهي بالنسبة لهم مجرد أزمات عابرة تدبر بالصمت والبرود والهروب إلى الأمام. وبينما كان الطالبي العلمي يغالب غصته الدرامية، كان المشهد يكتمل بسريالية الكراسي الفارغة؛ فأكثر من ألف مؤتمر فضلوا الغياب، ربما لأنهم اكتشفوا أن البطارية التي كانت تشحن حماسهم قد فصلت عن المصدر، أو أن الوقود الذي كان يحرك الحافلات من أقاصي المغرب قد جف بجفاف منابع الكرم الحزبي. لقد بدا المؤتمر وكأنه حفلة تخرج لمدرسة فشلت في كل الاختبارات، لكن خريجيها قرروا البكاء في العلن لإقناع الجمهور بأن قلوبهم رقيقة، في محاولة بائسة لمسح ذاكرة المغاربة المثقلة بأسعار المحروقات الملتهبة ووعود الرفاه التي تحولت إلى كوابيس يومية. في نهاية هذا العرض المسرحي، يبقى السؤال الذي يطرحه كل مغربي اكتوى بنيران الغلاء هو، هل ستصرف هذه الدموع في الأبناك لخفض مديونية الأسر؟ وهل ستبنى بمؤشر الحزن الذي ظهر في الجديدة قناطر لفك العزلة عن القرى؟. الأكيد أن هذا النحيب السياسي ليس إلا صرخة رعب من مستقبل غامض، واعترافا صريحا بأن الحزب الذي صعد بالمال والوعود، لا يملك اليوم ما يقدمه سوى المناديل الورقية. لقد سقط القناع، وتبين أن مسار التنمية الذي صدعوا به رؤوسنا انتهى به المطاف في مسار الدموع، ليؤكد لنا أننا لسنا أمام مشروع سياسي، بل أمام نادي امتيازات يخشى أعضاؤه برد الشتاء القادم بعدما رحل عنهم دفء الزعيم.