تاريخ وقصة كرة القدم في إفريقيا هي قصة مرتبطة بشكل وثيق بتاريخ الاستعمار وبتاريخ الحركات التحررية. إنها قصة مغامرة عمرها أكثر من 100 سنة من التهميش والاحتقار الذي تحول أخيرا إلى اعتراف. لأول مرة في تاريخ كرة القدم تحتضن جنوب إفريقيا نهائيات كأس العالم التي تحل بقارة منسية مهمشة إلى درجة الاحتضار. هذا يعطي للحدث بعدا ورمزية سياسية قوية. وكرة القدم كانت دائما مرتبطة بالسياسة وبالتاريخ وكل تحولاته وتحركاته، حيث حمل المستعمر الكرة في طيات أمتعته وحقائب أسفاره لتتدحرج بين أرجله وتتسبب بعد ذلك في خروجه من إفريقيا. يجرنا الحديث عن تاريخ كرة القدم إلى حقب قديمة في الزمن. ففي أواسط القرن ال 19 وضعت إنجلترا قواعد لعبة كان مولدها المفترض بالصين، لتحل بإيطاليا قبل أن تصل إلى بحر المانش. وفي فجر سنة 1880 وتحت سيطرة الاستعمار الأوربي، لمست أرجل إفريقيا الكرة. ولأن المستعمر كان دائما مفعما بالأحكام المسبقة السلبية عن الأهالي، وبرغبة وميول جارف نحو النفي، تمكن من محو آثار كل الألعاب المحلية القديمة، وموازاة مع تشعب خطوط السكك الحديدة، بث الفرنسيون والبريطانيون والبرتغاليون والإسبان فيروس كرة القدم، التي كان بحارة السفن (الأوربية) الراسية في سواحل إفريقيا أمهر لاعبيها في ذلك الزمن. كانت اللعبة تمارس إما في المدارس والماريستانات التابعة للكنائس وبإشراف من الإكليروس، وإما داخل الثكنات العسكرية بإشراف عسكري مباشر. ولأنه مشبع بذاته وبعنفوانها، سمح المستعمر بتلقين الأهالي الإفريقية مبادئ الشجاعة والإخلاص للفريق والروح الرياضية. ومن الطبيعي أن تكون المستعمرات البريطانية أولى المستعمرات المصابة بهوس الكرة الجلدية... ومصر كانت أولى هذه المستعمرات. لكن منحرفا جديدا سينشأ بعد مرحلة إحداث النوادي الكروية الأولى بإفريقيا، بدعم جارف من الشعب والحركات الوطنية، وبذلك أصبح لكرة القدم بإفريقيا دور ريادي في المعارك الوطنية من أجل الاستقلال. بتأطير من الاستعمار البريطاني سيكون الفريق المصري لكرة القدم التشكيلة الإفريقية الوحيدة التي ستظهر على الساحة الدولية للمشاركة في الألعاب الأولمبية لسنتي 1924 و1928 وكذا المشاركة في ثاني كأس عالمية لكرة القدم في إيطاليا سنة 1934. الأندية الكروية الإفريقية ليست وليدة اليوم، حيث تشكلت الخارطة الأولى للأندية منذ بداية القرن العشرين، (ففي غانا تأسس فريق قلوب الصنوبر لأكرا سنة 1910 كأول فريق كرة بدول جنوب الصحراء، متبوعا بفريق الأمل الرياضي بتونس الذي رأى النور سنة 1919). وكانت رقعة الملعب بإفريقيا متميزة من حيث كونها كانت تجمع الأفارقة بالبيض بالرغم من اختلاف عوالم كل فئة. فغداة الحرب العالمية الثانية كان حب كرة القدم المستديرة قد ترسخ في كل بقاع إفريقيا. وانتشرت ممارسة كرة القدم بنفس وتيرة انتشار أفكار ونوايا الاستقلال والتحرر من الاستعمار. وبالتالي لم تعد كرة القدم محصورة على فئة السكان البيض بل تحولت إلى وسيط للتعبير الوطني داخل حركات التحرر، وكان البيض المتعاطفون مع استقلال دول إفريقيا يتطوعون لتشكيل الأحزاب والفرق الكروية معا بوتيرة واحدة ومتوازية. وحتى الزعماء الوطنيون كانوا يجدون داخل الملاعب الآهلة بالجماهير وحشود المتفرجين أماكن مناسبة للاختباء والتعبئة والاستقطاب. وكانت المباريات ما بين الدول الإفريقية مناسبات تقرع فيها طبول الثورة ضد المستعمر لميلاد أوطان المستقبل. وفي مراحل ما قبل الاستقلال، كانت العواصم الأوربية تستدعي الفرق الإفريقية. حيث كانت المباريات التي يجري تنظيمها بأوربا للأوربيين- بمشاركة لاعبين زنوج- بمثابة مرآة ودعاية للإنجازات الإنسانية «الباهرة» التي خلفها الاستعمار. وتبقى فرنسا الدولة الأوربية الوحيدة التي لعبت دورا رياديا في تحويل الكرة من أداة استعمارية دعائية إلى آلية للاندماج. كان Raoul Diagne – وهو لاعب سينغالي بنادي باريس- أول لاعب إفريقي يلتحق بالفريق الوطني الفرنسي ابتداء من سنة 1931. وكان متبوعا بالعربي بنمبارك، المزداد بالدارالبيضاء، نجم أولمبيك مارسيليا، والذي سينضم هو الآخر لفريق الديكة منذ 1937. وفي تلك الفترة سيصل العديد من اللاعبين الأفارقة إلى مفترق طرق حاسم في مسارهم الاحترافي، فإما تكملة مشوار الاغتراب الكروي (بالرغم من الشهرة) وإما الالتحاق بالرفاق في الوطن للالتحاق بمعارك التحرير. وقبيل كأس العالم 1958 تسلل عدد من اللاعبين (من دول شمال إفريقيا) هروبا من فرنسا بشكل سري قاصدين تونس. بن طيفور، أبرير، إبراهيمي، كرمالي، ماهوش، عريبي، مخلوفي، بوبكر والزيتوني، سيشكلون بعد ذلك طاقم الفريق القوي لجبهة التحرير الوطنية FLN، حيث سيشهرون نضالهم من أجل قضية تحرير الجزائر. وبالرغم من قوة الفريق وزخم إنجازاته الكروية فإنه لم يحظ أبدا باعتراف الفيدرالية الدولية لكرة القدم. وعن طريق هذه الفيفا، التي تمطر حينا وتمنح الجو الصحو حينا آخر، أصبحت الروابط – أكثر من أي وقت مضى- ما بين الكرة والسياسة. والزواج القسري ما بين الكرة والسياسة سيدوم ليصاحب أكثر التقلبات الجيوسياسية بإفريقيا. ففي سنوات الخمسينيات، وبعد سقوط الإمبراطوريات وأفول الاستعمار، ستبدأ مراحل الاستقلال الوطني بالمغرب وتونس (1956) وغانا (1957) وغينيا (1958)، وموازاة مع ذلك ستتهيكل ممارسة كرة القدم. ففي سنة 1957 وبإمرة من السودان ومصر وجنوب إفريقيا، ستفرض الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم CAF نفسها في المحافل الدولية وستنظم كأسها الإفريقية الأولى (كأس أفريقيا للأمم)، وهي الكأس التي ستمنع جنوب إفريقيا من المشاركة فيها لأن فريقها الوطني فريق مختلط. والفيفا لأنها كانت عمياء متعجرفة لم تمنح إلا مكانا واحدا للقارات الثلاث (أستراليا- أفريقيا- وآسيا) في نهائيات كأس العالم بإنجلترا سنة 1966. ولأول مرة في تاريخ الكرة، وأمام هذه النزعة الموغلة في المحافظة والتطرف (ولأن إفريقيا آنذاك ما زالت خصبة باستقلالها) ستقاطع المشاركة في هذه الكأس... إن تبخيس إفريقيا من طرف الهيئات الرياضية الدولية سار في تعارض تام مع الاهتمام المتزايد للنوادي الرياضية الأوربية باللاعبين الأفارقة. فقد فتن هيزوبيو البرتغال، وفي فرنسا فتن من قبله ساليف كيتا (اللاعب المالي) أطوار البطولة الفرنسية خلال العقد السادس من القرن الماضي. وربما كان هو نفس اللاعب الذي شكل بداية انطلاق عملية تفريغ القارة السمراء من لاعبيها وافتتح بداية حقبة كرة الأعمال Foot Business، وهي نوع جديد من الكرة ساهم في فتح قنوات هجرة حاشدة من «عمال الكرة» التي تشتغل فيها أرجل عاملة (Pieds d'œuvre) في أجواء غير لائقة. مقال للكاتب والشاعرJean Claude Renard نشرته مجلة Politis عدد يونيو 2010 ترجمة يونس وانعيمي