المشهد الإسرائيلي أصبح اليوم واضحاً تمام الوضوح ولم يَعُد يَحْتَمِلُ أي التباس بفعل ما تَمَّتْ مراكمتُه من قناعاتٍ عبر العقود المتلاحقة، وأهمُّها أن إسرائيل تقتاتُ من الدم الفلسطيني ومن الضعف العربي. وكان الصهيوني موشي دايان يردد أنّ إسرائيل لن تكون في مواجهة خطر داهم إلاّ حين يشرع العرب في القراءة (أي قراءة الماضي لتوفير مفاتيح لفهم الحاضر والمستقبل)، وحين ينتظم العرب في طوابير منتظمة (إيشدّو الصَّفْ) أمام المحلات التجارية والإدارات ووسائل النقل. ولقد تحقق كابوس موشي دايان العربي، لكن بهرم مقلوب، إذْ تخرجتْ نُخبٌ عربية من أعرقِ الجامعات الدولية المرموقة، وانتظمت القيادات العربية الحاكمة و«شدّات الصَّفْ» بانضباطٍ وامتثال في طوابيرَ ما يُسمى بالاعتدال العربي المرسُومَةِ ملامحه حيثُ يُتّخذُ القرار، أي خارج المنظومة العربية وداخل المنطق السياسي الأوروأمريكي الذي يفرضُ الاعتراف بإسرائيل كأساسٍ للتعاقد مع كذبة تُسَمَّى المجتمع الدّولي. وبكلمةٍ أنصع، فإنَّ الاعتراف بإسرائيل يعني أنّ ذلك المجتمع الهُلامي سيعترف بشكل أوتوماتيكي بالعرب، وبدونه سيسبحونَ خارج فلك التّاريخ والجغرافيا، وهذا يعني بالدرجة الأولى أن العرب هم الذين يحتاجون إلى من يعترف بهم، أما إسرائيل فهي واقع لا يرتفع. ويتبجّحُ منظرو الحركة الصهيونية بأنهم أفضل من يفهم العقلية العربية. وحسب هذا التحليل الجاهز، فإن العرب قومُ انفعاليُّون، وشعوبهم تنقادُ بسهولة وراء الشعارات و«الأوهام القومية». وسرعان ما تخمُدُ عواطفهم الجياشة وحماسهم الذي يلتهب بالخطب العنترية، لا بالعقل الحصيف. وحين تقصف إسرائيل المدن والقرى الفلسطينيّة، فإن أقصى ما يمكن للعرب أن يردّوا به على هذا العدوان هو «قصف» إسرائيل ب«صواريخ» الاستنكار والإدانة والأسف الشديد والردّ على العدوان والجرائم ضد الإنسانية وحرب التصفية العرقية التي تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني هو التلويح باجتماع وزراء الخارجية العرب وإدراج أغاني مثل «وِينْ الملايين» على مدار الساعة في الإذاعات والتلفزات المملوكة للأنظمة العربية الجاثمة على صدر شعوبها بالقوة والظلم. وجاءت مجزرة غزة لتبشر بعهدٍ إسرائيلي جديد وغير مسبوق. إنه عهدُ تعريب العدوان الصهيوني على فلسطين ولبنان وغيرهما، فإسرائيل تلمح هذه المرّة- والتلميح أبلغُ من التصريح- إلى أنها تشن حرب إبادة شرسة ضد حركة حماس نيابة عن بعض «الإخوة» وعن بعض العرب «الأشقاء»، «الأعزّاء»، مادامت هذه الإسرائيل تتوفر على الدعم الأعمى الأمريكي الغربي وعلى العتاد والقوة الضاربة، فيما يوفر لها عرب الجوار الدّعم اللوجستيكي عبر إغلاق المنافذ وتحميل المسؤولية للضحية وتضييق الخناق ليس فقط على الجوعى في غزة بل على الجرحى والمكلومين. وسبق لنا أن تابعنا وقائع حرب «تموز 2006» في لبنان وما واكبها من «مُبَاركَةٍ» عربية للسكّين الإسرائيلي، ومن دعوات منافقة إلى «ضبط النفس»، حتى تحقق إسرائيل أهدافها وأهدافهم. وكادت «حرب تموز» تعصف بالأنظمة «المُبارِكة» للعدوان الإسرائيلي الذي اندحر لأول مرة في تاريخ أسطورة «الجندي الذي لا يُقهَر». وفي صيف 2006، كانت هناك «لَبْنَنَةُ» العدوان الإسرائيلي و«مباركة» محتشمة من بعض الأنظمة البترولية العربية، لكن المحرقة الجارية وقائعها اليوم على غزّة انتقلت إلى السرعة الثانية، إذ تمَّ «تعريب» هذا العدوان حتى النخاع، بدعوى أن إسرائيل هي وحدها القادرة على تخليص عرب النفط من عدوهم الرئيسي المُعيَّنِْ الذي يختصر كل الأعداء والخصوم، أي إيران، عملا بالمثل القائل: «عدو عدوي صديقي»، وعلى اعتبار أن حماس – غزة وحزب الله – لبنان ليسا سوى الطوابير الخامسة للزّحف الإيراني على عرب بوش أو العرب الأمريكيين أو الأمريكيين العرب، كيف ما بْغيتُو. لكن ما لا يفهمه عرب النفط أن إسرائيل حين عرَّبتْ حَرْبَها ضد الفلسطينيين فإنها لم تخطط أبدا ليأكل العربُ الثَّّوم بفمها المتعطش دائما لدماء الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، بل لأنها رأت الظرف ملائما لاستكمال حرب الإبادة ضدَّ الشعب الفلسطيني التي بدأتها منذ قيامها على يد ما تبقى من الإمبراطورية البريطانية البائدة. لقد عاشت إسرائيل ورأت كيف أن بعض العرب جدّدوا لها «وعْدَ بلفور»، ووقعوا بالأصابع العشرة على تمديد حياتها في غرفة الإنعاش المرَكّز الشرق أوسطية. لكن ما يقع اليوم في غزة ليس سوى قصة موت معلن ل«دولة» طاغية صنعتها الخرافات والأطماع وقامت على الجماجم وأنهار من الدماء والدموع والآلام.. ولم يَتبَقَّ لها اليوم سوى الاستناد إلى أعمدة نخرها سوس الاستبداد والتخلّف، ويحكمها أشخاص مخلدون لم يقرؤوا أبدا الحكمة المأثورة القائلة: «إن المقابر ملأى بالأشخاص الذين لا يُعَوَّضونْ». والنصر للشعوب.