العلاقة مع الدولة المركزية يمنح الدستور الإسباني لمجتمعات الحكم الذاتي _طبقاً لما ورد في المادة 148_ صلاحيات مهمة، لا سيما ما يتعلق بتنظيم مجالها الجغرافي ومدنها ومؤسساتها التمثيلية طبقاً لأنظمتها الأساسية الخاصة بعد المصادقة عليها في البرلمان، وكذا ما يرتبط بتدبير مجموعة من القطاعات داخل مجالها الجغرافي كالأشغال العمومية، والنقل، والسكك الحديدية المحلية، والطرق البرية المحلية، والموانئ المحلية، والمطارات المحلية التي لا تتم فيها أنشطة تجارية، والأنشطة الفلاحية والغابوية التي لا تتعارض مع النظام الاقتصادي للدولة، والصيد وتربية الأسماك في المياه الداخلية والأنهار المحلية، والبناء والأشغال، واستغلال الموارد المائية لمصلحة مجتمع الحكم الذاتي، ناهيك عن الصناعة التقليدية، وتدبير المؤسسات الثقافية (كالمتاحف والمكتبات والمعاهد الموسيقية) والآثار بما يعود بالنفع لمجتمع الحكم الذاتي. كما يحق لأنظمة الحكم الذاتي، من جهة أخرى، تشجيع الثقافة والبحث العلمي والرياضة، وتدريس اللغات المحلية، وتدبير الصحة والنظافة، وحراسة بناياتها ومنشآتها بالتنسيق مع الشرطة المحلية، مع العلم أنه يمكن لمجتمع الحكم الذاتي أن يوسع صلاحياته تدريجياً بعد مرور خمس سنوات في حدود ما ينص عليه الدستور الإسباني. أما فيما يتعلق بالدولة المركزية، فإنها تنفرد بأهم الصلاحيات والاختصاصات السيادية، نذكر منها مثلاً دون الحصر: الأمن العام، وضمان المساواة بين جميع الإسبان في الحقوق والواجبات، ومنح الجنسية واللجوء، وتدبير الهجرة، والخارجية، والدفاع، وتطبيق العدالة، والتشريع في المجال الجنائي والتجاري والسجون وقانون الشغل، والقانون المدني ماعدا في بعض التشريعات ذات المصادر التاريخية الخاصة بمناطق الحكم الذاتي والتي تنبع من مختلف أنماط الزواج، وتنظيم السجلات والوثائق العمومية... وتتحكم الدولة المركزية في إسبانيا كذلك، طبقاً للمادة 149 من الدستور، في النظام الجمركي والتجارة الخارجية، والنظام النقدي والبنكي، والملكية الثقافية والصناعية، والتخطيط العام والإحصاء، والمالية العمومية وديون الدولة، والتنسيق العام في مجال الصحة، وتشريع الضمان الاجتماعي، والقانون الإداري ونزع الملكية، والصيد البحري في المجال العام للدولة، وتنظيم الأسطول التجاري، والموانئ العامة والمطارات العامة، ومراقبة المجال الجوي ومصلحة الأرصاد الجوية، والنظام العام للاتصالات، وقواعد نظام الطاقة والمناجم، والقواعد الأساسية لنظام الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وصيانة وحماية التراث الثقافي والأثري والفني الإسباني دون المساس بصلاحيات مجتمعات الحكم الذاتي الخاصة في هذا المجال، ناهيك عن حق الدولة المركزية في استشارة الشعب الإسباني عن طريق الاستفتاءات... أي أن الدولة المركزية في إسبانيا، ولئن كانت قد تخلت عن بعض الصلاحيات والاختصاصات لصالح المناطق الترابية المختلفة التي تتمتع بالحكم الذاتي، فإنها ظلت تحتفظ بأهم الصلاحيات والسلط التي تمنحها السيادة الكاملة على المستوى الأمني والاقتصادي والتشريعي والقضائي، دون أن ننسى دورها الأساسي في الحفاظ على وحدة الأمة الإسبانية وتحقيق المساواة بين جميع الإسبان في الحقوق والواجبات. في الموارد المالية الممنوحة لمجتمعات الحكم الذاتي تتكون العوائد المالية لمجتمع الحكم الذاتي في إسبانيا حسب ما تنص عليه المادة 157 من الدستور الإسباني من أربعة مصادر أساسية للتمويل، ألا وهي: 1. حصتها من الضرائب والاعتمادات التي تتخلى عنها الدولة جزئياً أو كلياً لصالحها. 2. حصتها من تحويلات صندوق التضامن الوطني الذي تنشؤه الدولة لتقويم اختلالات التوازن الاقتصادي بين مجتمعات الحكم الذاتي. 3. الضرائب والرسوم الخاصة بها التي تفرضها داخل ترابها من خلال أنظمتها الخاصة. 4. الأرباح التي تدرها عليها ممتلكاتها وعوائدها المحلية الخاصة. وبطبيعة الحال، فإن الهيئات التمثيلية لمجتمعات الحكم الذاتي تتمتع بالاستقلال المالي الذي يخول لها الاضطلاع بمهامها وفقاً للمبادئ الدستورية التي ذكرنا سلفاً، كما يمكن لها أن تتصرف كمندوبة للدولة أو مساعدة لها لتحصيل موارد الدولة الضريبية وإدارتها. غير أنه لا يحق لمجتمعات الحكم الذاتي بأي حال من الأحوال أن تفرض إجراءات ضريبية على ممتلكات تقع خارج نطاقها، أو تدابير ضريبية تشكل عائقاً أمام حركة تنقل البضائع والخدمات. في مراقبة الدولة لأجهزة الحكم الذاتي يتم مراقبة أجهزة مجتمعات الحكم الذاتي من طرف أربع مؤسسات (المادة 153)، هي: 1. المحكمة الدستورية، عندما يتعلق الأمر بمراقبة دستورية القوانين التي تصدرها. 2. والحكومة، بخصوص مراقبتها للمهام المفوضة لها بحكم المادة 150 من الدستور. 3. والقضاء الإداري، الذي يراقب إدارتها وقواعدها القانونية. 4. وأخيراً، محكمة الحسابات التي تراقب الاقتصاد والضرائب. ويتولى إدارة الدولة داخل مجتمع الحكم الذاتي مندوب تعيّنه الحكومة، يتكلف بالتنسيق بينهما إذا اقتضى الحال ذلك. وإذا لم يمتثل مجتمع حكم ذاتي بالواجبات التي يلزمها به الدستور والقوانين العامة، أو إذا قام بتصرف يضر بشكل خطير بالمصلحة العامة لإسبانيا، يحق للحكومة بعد توجيه إشعار مسبق لرئيس مجتمع الحكم الذاتي، وبمصادقة الأغلبية المطلقة لمجلس الشيوخ إذا لم يؤخذ بعين الاعتبار الإشعار المذكور، أن تتخذ الإجراءات الضرورية لإلزام مجتمع الحكم الذاتي بالقيام الإجباري بالواجبات المذكورة أو بحماية المصلحة العامة التي ورد ذكرها. وفي تلك الحالة، يحق للحكومة أن تعطي تعليماتها لجميع سلطات مجتمعات الحكم الذاتي. في فهم الأهداف والمغازي من صياغة بعض بنود الدستور الإسباني عندما نتمعن في قراءة بنود الدستور الإسباني التي تنظم الإطار القانوني المرجعي لنظام مجتمعات الحكم الذاتي، وكذلك في ما يستتر خلف سطوره، يتبين لنا جلياً أن المشرع الإسباني كان حريصاً على التجاوب مع تطورات الوضع السياسي في البلاد التي كانت تتحول حينها (في أواسط السبعينيات) من نظام ديكتاتوري عسكري (في عهد فرانكو) إلى نظام دولة اجتماعية وديمقراطية تتخذ شكل ملكية برلمانية. وقد توّج ذلك المسار بتأسيس ميثاق سياسي واجتماعي عام بين الأحزاب الديمقراطية في البلاد، حيث تم تشكيل لجنة من سبعة نواب من الأحزاب السياسية الإسبانية التي حققت الأغلبية في الانتخابات التشريعية لسنة 1977 هي التي تكلفت بصياغة الدستور الإسباني قبل أن تتم المصادقة عليه خلال سنة 1978، نذكر من بين أعضائها مثلاً السادة: ميغيل هيريرو دي مينيون، وغابرييل سيسنيروس، وخوسيه بيدرو بيريز-يوركا عن حزب الاتحاد الديمقراطي، وجريجوريو بيسيس-باربا عن حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE)، وجوردي سوليه تورا عن الحزب الشيوعي. كما كان من الممكن أن يشارك في صياغته ممثلين عن منطقتي كاتالونيا والباسك، غير أنه تم استبعادهم بسبب مطالبتهم بقدر أكبر من الحكم الذاتي لأراضيهم. هذا وقد عُرف أعضاء تلك اللجنة باسم "الآباء المؤسسون" (Los padres de la constitución). وفي هذا الإطار، كانت اللجنة حريصة على تجسيد مجموعة من المبادئ الأساسية داخل المتن الدستوري، ولا سيما ما يتعلق ب: * تحديث مؤسسات الدولة بما يتماشى مع الاختيار الديمقراطي الذي لا رجعة فيه، على أساس بناء دولة اجتماعية وديمقراطية تتخذ شكل ملكية برلمانية، ومنح بعض الصلاحيات وتدبير بعض الموارد لمجتمعات الحكم الذاتي دون التفريط في سيادة الدولة المركزية على أهم الاختصاصات والسلطات الاستراتيجية، من قبيل الأمن والدفاع والخارجية والتنمية الاقتصادية... * توسيع هامش المشاركة السياسية للمواطنين الإسبان من خلال اعتماد نظام الحكم الذاتي لمختلف المجتمعات العرقية والجهوية الإسبانية، وهو ما تم اعتباره نوعاً من تخفيف الضغط والمسؤولية السياسيين على السلطة المركزية والمؤسسة الملكية الإسبانية، بحيث أصبح المواطن الإسباني من مختلف المناطق الجغرافية الإسبانية يساهم بشكل مباشر في اتخاذ القرار العمومي عن طريق البرلمانات والحكومات المحلية. * الحفاظ على وحدة الأمة الإسبانية، وحماية البلاد من أي مبادرة أو نزوح إلى التجزئة أو الانقسام كما تنص على ذلك المادة 2 من الدستور، ناهيك عن حظر كل أشكال التمييز بين المواطنين الإسبان في الحقوق والواجبات (المادة 139)، وهو ما تجسد بالفعل خلال سنة 2017 حين دعت الحكومة الكتالانية من جانب واحد إلى إجراء استفتاء شعبي لتقرير مصير منطقة كتالونيا، غير أنه ووجه بالرفض من طرف الحكومة الإسبانية استناداً على أحكام الفصل 155 من الدستور، حيث قامت الحكومة الإسبانية آنذاك بإقالة جميع أعضاء الحكومة الكتالونية، وحل البرلمان الكتالاني، والدعوة لانتخابات جهوية سابقة لأوانها، مع تولي الحكومة الإسبانية للصلاحيات التنفيذية للإدارات الكتالونية إلى حين تشكيل حكومة كتالونية جديدة. * تحقيق التنمية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي بين المركز والجهات، وكذا بين مختلف المناطق الترابية للبلاد، من خلال التوازن في توزيع الموارد المالية والصلاحيات بين السلطة المركزية ومجتمعات الحكم الذاتي. المراجع والمصادر: 1. الدستور الإسباني الصادر في الجريدة الرسمية الإسبانية رقم 311 في 29 دجنبر 1978. 2. مقال للكاتب فرناندو بالميرو بجريدة "إل موندو" تحت عنوان "سبعة آباء للدستور كان ممكن أن يكونوا تسعة"، صادر في 6 دجنبر 2018. 3. مقال للكاتب محمد شكراد بموقع هسبريس تحت عنوان "الحكم الذاتي في إسبانيا"، صدر في 8 دجنبر 2025. 4. كتاب "المصالحة" بالنسخة الفرنسية (La réconciliation)، وهو عبارة عن مذكرات لصاحبه خوان كارلوس الملك السابق لإسبانيا، الصادر في نونبر 2025. 5. حلقات عن الانتقال الديمقراطي في إسبانيا بقناة التاريخ بموقع "AMC Network" بالإسبانية على موقع يوتيوب.