يصف مفهوم "اضطراب العداء المزمن" أعراض اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder – ASPD)، ويعتبر حالة مرضية نفسية، أهم ما يُميز المُصاب بها هو: "استصغار الآخر، الخداع والكذب، التلاعب، الاندفاع، العدوانية، عدم الندم، وانعدام المسؤولية". تتمثل أهم العوامل المسببة له في: العوامل الوراثية، التنشئة السلطوية، التعرض لصدمات نفسية، القلق المزمن، واختلال تنظيم الانفعالات. أما بالنسبة لعلاج هذه الحالات، فيعتمد على العلاج السلوكي المعرفي، دون إغفال أهمية بعض الأدوية التي تُساعد في تهدئة القلق المزمن وبالتالي السيطرة على الانفعالات العدوانية. حسب تصور علم النفس الاجتماعي، تُعد الاضطرابات النفسية وما تتيحه من فهم للإنسان وانفعالاته، مرجعاً لفهم وتفسير اضطرابات الجماعات. لقد أدت سطوة الشاشات إلى سقوط الإنسان في مصيدة "الحس المشترك الافتراضي"، الذي أدى إلى طفرات انفعالية وسلوكية، تسارعت وتيرتها جراء استهلاك المجتمعات وبشكل مستمر لمحتويات رقمية تعيد هندسة الانفعال الجماعي، محتويات أصبحت بمثابة مُخدر يسلب من الإنسان إدراكه لذاته وهويته، ويُعيد تشكيل الإدراك الاجتماعي برمته. يؤدي الإفراط في استهلاك "مخدرات الشاشات" إلى شحن الحشود، وبذلك تنبعث انفعالات جماعية جديدة لا تخضع لمنطق العقل. هذا بالضبط ما عاشه الشارع الجزائري ليلة 18 يناير، احتفالاً جماعياً بفوز السنغال بكأس إفريقيا 2025 المقامة بالمغرب. لكن السؤال الذي يُطرح هنا هو: هل لو كان الطرف الآخر في النهائي هو نيجيريا مثلاً، هل كانت نفس الفرحة الهستيرية تملأ شوارع الجزائر؟ من المؤكد لا! وبالتالي، فهزيمة المغرب كانت السبب المباشر لهذه الاحتفالات الصاخبة. وهذا ما يُلخص بالضبط التصريح المؤسف لأحد الإعلاميين الجزائريين، والذي يختزل المنسوب القياسي للتوتر السياسي ما بين الجارين، حيث أكد الإعلامي على تشجيع "والو" (اللاشيء) إذا كان في مواجهة المنتخب المغربي. سردية العداء باختصار، وبمنطق المماثلة، يمكن القول إن "الجزائرالجديدة" التي أسستها شعبوية الرئيس تبون، جعلت من السياسة العدائية سياسة دولة واختياراً استراتيجياً لجزائر المستقبل، في تعارض واضح مع الإرث التاريخي، والانتماء العرقي والديني، والحقيقة الجغرافية. وبهذا المسار، يؤسس لمسار سياسي يتميز بعداء مزمن تجاه المغرب. ارتكز مشروع "الجزائر التبونية" على شعبوية مضللة "سردية العداء"، وشعبوية مختزلة "سردية المقاومة"، وشعبوية مضخمة "سردية القوة والنيف"، وذلك من خلال تصريحات سُريالية دعائية ذات طابع تعبوي، تُضخم صورة الوطن في مقابل شيطنة الوطن المجاور وجعله مرادفاً للشر. شكل هذا التوجه السياسي بمثابة ضوء أخضر للإعلام الرسمي، الذي نجح في بروباغاندا العداء من خلال حملات ممنهجة للتهجم المستمر على المغرب. وهنا أتحدث عن الإعلام الرسمي الذي يُعد صوت النظام السياسي الحاكم. وعلى سبيل المثال، فقد أدى الترويج لثنائية "المقاومة والتطبيع" إلى تجييش الشارع الجزائري وتوجيه انفعالاته، وكأن المغرب دولة مُطبعة مع إسرائيل، في تجاهل واضح لتعقيدات الواقع السياسي القائم. وحسب منطق الدعاية الجزائرية، يتحتم على صاحبة إرث المقاومة أن تُعلن قطع العلاقات مع تركيا ومصر وأوروبا والولايات المتحدةالأمريكية. وربما ستضطر لقطع علاقاتها مع ما يفوق نصف الكرة الأرضية، وبالتالي وضع البلاد في مسار معزول عن التحولات الإقليمية والدولية! تجب الإشارة في هذا الصدد إلى أن مشروع العداء التبوني تبلور في ظل الحراك الشعبي بالجزائر، وبالتالي كان بمثابة تهدئة وإلهاء للجزائريين وإقناع لهم بضرورة التحام السلطة والشعب لمواجهة "الخطر المغربي" على حد تعبيرهم. ولتحقيق هذا الغرض، وُظف الإعلام الرسمي الذي جعل من الرياضة والتراث مجالاً للتلاعب بانفعالات الجماهير، قصد إثارة العداء الشامل، وبالتالي إعادة ضبط وتوجيه مواقف وأولويات الشعب الجزائري، الذي تجند بدوره لمواجهة رقمية واسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي. لاقت هذه التهجمات ردود فعل مغربية غير رسمية، معارك ساخنة حول "كرة القدم، الزليج، القفطان، الكسكس..."، أربكت الإدراك الوجودي للإنسان المغاربي، بل وتلاعبت بانفعالاته، حالة دفعته أحياناً نحو الاصطفاف إلى جانب دون آخر، في تعارض تام مع المرجعية الدينية المقدسة والمرجعيات الإثنية والتاريخية والجغرافية المشتركة. أما فيما قبل المرحلة التبونية، فالوضع كان مختلفاً تماماً. فرغم التنافس العسكري المغربي الجزائري والتوتر السياسي شبه الدائم، تم الحفاظ على الحد الأدنى من العلاقات الثنائية والاحترام المتبادل. ويعني ذلك أن مرحلة ما قبل الرئيس تبون تميزت بعداء سياسي شبه متبادل، مع حرص الجانبين ما أمكن على الفصل بين الواقع السياسي والحقيقة الاجتماعية والاقتصادية والجيوتاريخية. أعراض العداء المزمن لا شك أن توصيف حالة الجزائر "باضطراب العداء المُزمن" هو بمثابة استعارة تحليلية، تتطلب تحليلاً سيكوسياسياً محايداً، يُجنبنا تُهمة التحامل على جيراننا. وتتمثل أعراض هذا الاضطراب المزمن فيما يلي: رياضياً: نقل الصراع لميدان الرياضة وخصوصاً كرة القدم، في محاولة لقطع العلاقات الرياضية التي تخضع لهيئات قارية ودولية، وإطلاق حملات إعلامية رسمية تُشكك في قدرة المغرب التنظيمية للمسابقات الرياضية. تشريعياً: أصدرت الجزائر سنة 2025 القانون رقم 25-05 المتعلق بالتعبئة العامة، قصد تعبئة الموارد البشرية والمادية للدولة لمواجهة التهديدات الكبرى للأمن القومي. ويُعد هذا القانون مرحلة فاصلة؛ لأنه بمثابة استعداد لحرب وشيكة ضد عدو الجزائر. أمنياً: طرد 75 ألف مغربي صبيحة عيد الأضحى سنة 1975، ويعد هذا الحدث أبرز المؤشرات المبكرة لهذا المسار العدائي. يمكن الإشارة أيضاً إلى نزع ملكية المزارعين المغاربة لأراضيهم بواحة العرجة، وترحيل معظم المغاربة نحو الحدود، وتفريق الأسر القائمة على الزواج المختلط. خارجياً: تبني "ديبلوماسية الانفعال السياسي" من خلال إجراءات عدائية أحادية الجانب؛ قطع العلاقات وغلق المجال الجوي، رفض الوساطة الدولية، وبناء التحالفات على أساس العدو المشترك، والعلاقات على أساس مواقف الدول من عدو الجزائر، لا على أساس المصالح المتبادلة. هذا ما أدخل السلطة الجزائرية في سياسة انفعالية تقوم على رد الفعل، أدت في نهاية المطاف إلى عزلة دولية متنامية. اقتصادياً: تسخير إرادات البترودولار لسباق التسلح والاستثمار الدائم في عرقلة مسار التطور السياسي والاقتصادي الذي يعيشه العدو "المغرب"، إلى جانب قطع العلاقات الاقتصادية، وخصوصاً تجارة التهريب التي كانت مصدر العيش الأساسي لسكان المناطق الحدودية، دون أن ننسى عدم تجديد عقد توريد الغاز لإسبانيا عبر أنبوب الغاز أوروبا – المغرب العربي المار عبر الأراضي المغربية. وهذا إجراء أضر بصورة الجزائر وجعلها دولة فاقدة للثقة، مشكوك في التزاماتها وتعهداتها. اجتماعياً: الترويج للسردية العدائية، واعتمادها بشكل عفوي كمبدأ من مبادئ المنظومة التربوية الجزائرية، يُمررها المدرسون هناك كما يمرر جل المدرسين أيديولوجياتهم ومواقفهم. وهذا بالضبط ما ظهر في فيديو لأستاذة رُفقة تلامذتها في حوار حول كأس إفريقيا 2025، مواقف مُباركة من السلطة، يُترك باب الاجتهاد فيها مفتوحاً على مصراعيه، لتنشئة أجيال جزائرية أكثر عدائية من سابقتها، وهذا يعبر عن شكل خفي من أشكال التعبئة. كل هذه الإجراءات واجهها المغرب الرسمي بضبط النفس، باستثناء فرض التأشيرة على الجزائريين ما بين سنتي 1994 و2004، إثر الهجوم الذي استهدف فندق "أسني" في مراكش نفذه مسلحون، واتهمت الرباط حينها أجهزة الاستخبارات الجزائرية بالضلوع وراء الهجوم الإرهابي، فردت الجزائر بإغلاق حدودها مع المغرب. باستثناء هذا الإجراء، تجنب المغرب بشكل دائم منطق رد الفعل والمعاملة بالمثل، مع الحرص الشديد للمؤسسة الملكية بالمغرب على دعوة الجزائر للحوار وتطبيع العلاقات، وترك قضية الصحراء للأمم المتحدة. لكن الهدوء المغربي قابله الانفعال الجزائري، وبالتالي فكل الأعراض السابقة تؤكد أن جيراننا يعانون من اضطراب سياسي مُزمن، يقوده ويوجهه الرئيس تبون، الذي وسع العداء السياسي ليشمل معاداة كل ما هو مغربي: "الإنسان، التراب، التراث، الرياضة...". جذور العداء المزمن تعود جذور هذا العداء للصدمة العسكرية والسياسية التي عاشها حكام الجزائر منذ سنة 1963. ولعل عبارة "حكرونا المراركة" للرئيس بن بلة رحمه الله، تلخص كل شيء، تلخص عقدة وجودية، ازدادت تعقيداً سنة 1975، حينما استرجع المغرب أراضيه الصحراوية. وبقدر هول الصدمة كان الانفعال السياسي، الذي اتخذ ردة فعل عدوانية قاسية كان ضحاياها من ضحى في سبيل استقلال الجزائر، والأرشيف الفرنسي شاهد على مساهمة المغاربة في حرب التحرير. 75 ألف مغربي طُردوا بلا رحمة، تاركين أضاحيهم معلقة، وأملاكهم خلفهم دون أي تعويض. منذ ذلك الحين والجزائر لا تزال ترفض الاعتراف بحق المغرب في الصحراء الشرقية رغم اتفاق 1972 الموقع بين الحكومة المغربية ونظيرتها الجزائرية، والذي يقضي بتقاسم موارد غار جبيلات عبر شركة مختلطة. ترفض الاعتراف أيضاً بحق المغرب في الصحراء الغربية، كحقها تماماً في الصحراء الكبرى، رغم أن حدودها المترامية مجرد هبة استعمارية، صدفة سياسية يجب أن تشكر فرنسا عليها لا أن تعاديها، فهي تطلب الاعتذار الفرنسي على جرائم الاستعمار لكنها ترفض شكر الفرنسيين على صحراء الاستعمار. والسؤال الذي يطرح هنا: لماذا الجزائر القارة – كما يلقبونها أبناءها – لم تستوعب صدمة الصحراء؟ ودخلت منذ ذلك التاريخ نفق القلق السياسي المزمن، تعايشت مع أعراض صعبة دفعتها للتضحية بمستقبل شعبها، والاستثمار في محاولة لإعادة إنتاج تصورات تاريخية تستند إلى أيديولوجيا الحرب الباردة، تصورات لم تعد منسجمة مع الواقع الراهن. كل هذا لأنها كانت تحلم بوضع قدم على المحيط الأطلسي، وكانت تعتبر أن لها موقعاً مركزياً غير قابل للمنافسة في الفضاء المغاربي، لا تقبل بمنافس عريق تاريخياً ومتماسك سياسياً وربما متفوق جيواستراتيجياً. أمام نظام سياسي مصاب باضطراب العداء المزمن تجاه دولة جارة تشاركها التاريخ والجغرافيا والإنسان، لا حل يُخفف من حدة التوتر ويجنبنا المزيد من الانفعالات والانفعالات المضادة، وما يتبعهما من منزلقات خطرة تُهدد استقرار الإقليم المغاربي، سوى اللامبالاة الإيجابية والتجاهل الإعلامي. وإلا سنجد أنفسنا في دوامة من الانفعالات التي تسيء لنا ولجيراننا. علينا أن نتعلم نحن المغاربة تقليد المغرب الرسمي، الذي يفهم جيداً اضطراب الجزائر، ولا يجاريها في اندفاعها وعدوانيتها، يتركها تتصرف وفق انفعالاتها السياسية، ويتجاهل إساءات إعلامها الرسمي، طالما أن ذلك لا يمس ضرراً مباشراً بمصالح المغرب. وفق هذا التصور، "التجاهل واللامبالاة" يمكن أن ننجح في تهدئة أعراض القلق السياسي المزمن. وقد يكون من الأنسب التعامل مع ما يجري خلف الحدود الشرقية للمغرب بقدر عال من التحفظ السياسي. ومن باب التبسيط والبسط، يمكن اعتبار أن هناك خلف الحدود يوجد "لا شيء – والو"، في انتظار صدمة تاريخية أخرى يمكن أن تنتشل حكام الجزائر الشقيقة من سرديتهم العدائية، حينها سيسارعون لإعادة ضبط انفعالات شعبهم، استعداداً لاقتحام عالم الرخاء المشترك والسعي نحو التنمية العابرة للحدود. وإلى حين تحقق ذلك، ما علينا إلا التمسك باللامبالاة الإيجابية والتجاهل السلمي رسمياً وشعبياً، بموازاة يقظة استراتيجية تُحبط المخططات الرامية لزعزعة استقرار المغرب داخلياً وخارجياً.