سلطات بني ملال تخفف من بعض الإجراءات المتخذة للحد من تفشي فيروس كورونا    الإعدام (1)    الأسود دون لاعبي البطولة في أكتوبر بعد توافق لقجع مع وحيد    وكيل أعمال الليبي مؤيد اللافي ل"البطولة": "الوداد نادٍ كبير واللاعب سيلتحق بالفريق يوم 3 أكتوبر القادم"    لويس سواريز ردًا على ميسي: "لا تدعهم يشوهون صورتك يا صديقي"    تقرير المنتخب.. كلهم ساندوا النصيري إلا الأميون انتقدوه!    المغرب في آخر 24 ساعة.. 2423 إصابة بوباء "كورونا" من أصل "24000 اختبارا" و1746 حالة شفاء و42 وفاة | الحالات الحرجة: 368    كورونا تغلق ثانويتين للتعليم العمومي بمراكش    تقرير رسمي عن احتجاجات جرادة يوصي بالحوار وضرورة احترام حق التظاهر السلمي بالمغرب    الإعلان عن انطلاق الدورة الثامنة عشر للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة    كورونا.. الحالات النشطة تنخفض الى 48 بالحسيمة بعد تسجل 25 حالة شفاء جديدة    الصين تتوقع إنتاج 610 مليون جرعة سنويا من لقاحات ضد "كورونا"    المصريون يتحدون القبضة الحديدية لنظام السيسي ويخرجون للتظاهر في جمعة الغضب    توقيف 3 أشخاص حاولوا قتل شرطي مرور بأكادير !    مندوبية السجون: المحابسي اللّي مات فبوركايز ضارب مع محابسي آخر معاه فالزنزانة    قراءة في فساد القوى السياسية الفلسطينية..    الحزب القائد لحكومة 2021    دراسة تثبث أن شباب المغرب يعتبرون أن كوفيد19 سلاح بيولوجيا وعقاب إلهي    سواريز يتعاقد مع أتليتيكو لمدة عامين    زيارة كوشنير إلى المغرب: طوبى للحوار من أجل السلام!    Loco LGHADAB يدخل الطوندونس المغربي بجديده MI AMOR    أكادير : مهنيو القطاع السياحي يعانون من أزمة خانقة وسط مطالب بفتح الشواطئ و الحدود.    منظمة الصحة العالمية تنصح بالتلقيح ضد الإنفلونزا الموسمية    هذا هو التوزيع الجغرافي للاصابات الجديدة بكورونا في المغرب    الإدريسي يراسل أمزازي بشأن وضعية تدريس اللغة الأمازيغية في المنهاج المنقح    "الباطرونا" تقدم مقترحاتها بشأن مشروع قانون مالية 2021    رسالة مفتوحة إلى عميد كلية العلوم بجامعة ابن زهر بأكادير    الشرطة الفرنسية تعتقل مشتبها به في تنفيذ هجوم "شارلي إبدو"    بعد واقعة عدنان.. سكان طنجة يحاصرون شخصا حاول هتك عرض قاصر    حزب 'الحصان' مرتاح للمشاورات السياسية بين الداخلية والأحزاب حول انتخابات 2021    الدحيل يُقيل الركراكي بعد الخروج من دوري أبطال أسيا    فيروس "كورونا".. انخفاض دخل العمل على مستوى العالم بنسبة 10.7 في المئة    اقتصاديو الاستقلال يقدمون وصفتهم للحكومة لمواجهة تداعيات كورونا    طقس اليوم: أجواء حارة نسبيا بعدد من المناطق    إعادة فتح 23 مؤسسة تعليمية في الأحياء المصنفة بؤر وبائية بمكناس    صورة "سلفي" تتسبب في سقوط شابة من الطابق الرابع بوجدة    العثماني يكشف عن آخر مستجدات لقاح كورونا بالمغرب    دخول لقاح جديد التجارب السريرية ليصل مجموع اللقاحات المتنافسة عالميا ل11    حموشي يستقبل بالرباط سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالمملكة    العلمي: خطة الإنعاش الصناعي تهدف لجعل المملكة القاعدة العالمية الأكثر تنافسية تجاه أوروبا    صحيفة عبرية تكشف عن دولتين عربيتين ستطبّعان مع إسرائيل الأسبوع المقبل    نعمان لحلو: الوزارة لم تدعمنا وهناك من باع آلاته الموسيقية بسبب الأزمة    بالفيديو.. إصابات في حادث طعن أمام مقر جريدة شارل إبدو في باريس    ما قاله بلخياط حينما سئل عن انتمائه لجماعة اسلامية    "شوهة".. نتنياهو يحمل ملابسه المتسخة آلاف الكيلومترات لغسلها مجانا على حساب البيت الأبيض!    العمراني يدعو إلى التنصيص على بند يتيح إقالة رئيس مجلس النواب    السوق المالية الدولية.. المغرب يصدر بنجاح سندات بقيمة مليار أورو على مرحلتين    لمكافحة جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب .. بنعبد القادر يحث على تأهيل المهن القانونية والقضائية    متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر يستضيف معرض «الغرباوي: الجذور السامقات»    10 دول أوروبية تعلن رسميا بدء المرحلة الثانية من جائحة كورونا    الموت يفجع المغنية الشعبية أميمة باعزية    مهرجان أفلام الجنوب ببروكسيل يستمر في مساره، بقيادة رشيدة الشباني بالرغم من الإكراهات    الحبيب المالكي يستقبل مدير الإيسيسكو ويتدارسان الشراكة بينها وبين المغرب    وكالة "التدبير الإستراتيجي" توقف مرسوم إعادة هيكلة وزارة المالية    "الطوفان الثاني" .. فاتح ينبش في حرب العراق    الدكتور الوزكيتي يواصل " سلسة مقالات كتبت في ظلال الحجر الصحي " : ( 10 ) معرفة أعراف الناس … مدخل لفهم الدين    بعد الجدل الذي أثاره ألبوم أصالة..الأزهر: الاقتباس من الحديث النبوي في الغناء لا يجوز شرعاً    الشيخ الكتاني يبرر اغتصاب فقيه لفتيات طنجة "الزنى لا يتبث إلا ب 4 شهود"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





توفيق صايغ.. الكبير المنسي والشاعر المنكود
نشر في هسبريس يوم 22 - 11 - 2019

كم تحمل قلبه، كم صبر وصابر إلى أن استسلم واستكان كفريسة عزلاء ومن دون حول بين براثن الوحش المطارد الهصور. توقف فجأة عن النبض وهو يرتقي سلالم العمارة إلى عشه البارد والبعيد في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان يدرس في إحدى جامعاتها العريقة. فكأن موته كان إعلانا عن استراحة المحارب المنهوك، وانتهاء المنهوش الذي تناوشته مخالب ونيوب الذئاب وأبناء آوى. ولد منفيا، وترعرع منفيا، ودرس في المنفى، وأصبح أستاذا في أعرق جامعات بريطانيا وأمريكا التي شهدت نهاية آخر نفثة محرورة محزونة في نايه الشجي.
ولربما دَرَى، في أثناء تنقلاته وترحلاته من سوريا إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى لبنان، ومن لبنان إلى بريطانيا، ثم إلى لبنان عائدا، ومن هذا الأخير إلى الولايات المتحدة الأمريكية، دَرَى أنه "كركدن" أسطوري، أو نعامة لا يني يطاردها المطاردون بغية قتلهما، وطمس وجودهما. وأدرك، بفراسة الشاعر المتوحد والمتفرد والعميق بما لا يقاس، أن رأسه كما شعره، مطلوبان بإلحاح لأنه انتهك قواعد اللعب الشعرية المكرسة، واجْتَرَأَ على "قدسية " اللغة العربية التي أتى فيها وبها صورا مدهشة بقدر ما هي "غريبة"، ومجازات غير ملحوقة، وانزياحات مبهرة. إذ أنه استقى من معين ثقافته ومعرفته الواسعة بالتراث العربي أولا، وبالتراث الأنغلوساكسوني ثانيا، وبالعهدين: التوراة، والأناجيل ثالثا. فتشكل من هذه المقومات الثلاث شعره الذي كان شعرا مختلفا ومخالفا لشعر مجايليه ورفاقه في " مدرسة" شعر تحديدا، تلك المدرسة أو الاتجاه الإبداعي الذي دشن عهدا شعريا جديدا لم تشهده الشعرية العربية من ذي قبل، ولم تألفه الذائقة العربية طُرّاً. إنها الذائقة التي بَوْتَقَها التداول الصحفي والإعلامي، وكرسها المنهاج التعليمي التربوي في كافة الأقطار العربية، المنهاج الذي انتصر، ولا يزال، للتقليد والعمود والاستعارات والمجازات، والتشبيهات المطروقة المعادة والمكرورة بهذا القدر أو ذاك.
وكان الشاعر توفيق صايغ المختلف الحقيقي، قد تنبه إلى جديد صنيعه الإبداعي، وفتحه الشعري، وفتقه أكمام اللغة حيث قال في مدخل كتابه الشعري الأول: (ثلاثون قصيدة)، الذي مهد له بمقطع شعري إنجليزي للشاعر فرانسيس تومسون، عنوانه: (كلب في السماء أو في الجنة)، وهو مقطع ذو دلالة يختزل المعنى البعيد الذي يتحرك داخل الكتاب.
يقول توفيق: (في الأوراق التالية، سيأخذ علي ناقديَّ الكثير. لكن المأخذ الأبرز سيظل عنهم خلف حجاب: أني تصاعدت من بحيرتك غيمةً، هطلتْ على الأودية، وفوقكِ اتشحتْ بالبياض، وأني بين "بلى" كنتِها منذ بطش الضوء بالعتمة الحنون، و"بلى" ستكونينها حين تعيدنا معا عتمة أحنُّ، طوال عهد الضياء الضرير، كنتُ "لا").
ولا آتي بجديد عند القول بأن توفيق صايغ الشاعر المنكود الذي عاش ممزقا، ضَجِرَاً، مُتَبرِّماً من الحياة والناس الذين أوسعوه سبابا وشتائمَ، بما في ذلك قطاع واسع من النخبة المسيسة والمثقفة في بيروت وسوريا والعراق ومصر، بسببٍ من مجلته الأدبية الغنية والأنيقة: ( حوار )، التي كافح من أجل أن يبنيها ويطلقها في دنيا الثقافة والأدب والشعر، وانتشى فرحا وهو يرى كوكبة مشرقة ومستنيرة ومُحْدثة تكتب فيها، وترصعها بلؤلؤ أسمائها وشهرتها، لكن، سرعان ما انحسر وانكمش انتشارها، وانكسفت شمسها بدعوى أنها ممولة من أحد مراكز المخابرات الأمريكية المتصهينة. ما أُسْقِطَ في يده، وضاعف من حزنه وحسرته، وقلقه الوجودي، وتمزقه الروحي. وكان، من ذي قبلُ، هدفا للعرب العاربة والعرب المستعربة، أولئك الذين رأوا في شعره من خلال (ثلاثون قصيدة)، 1954 و(القصيدة ك) 1960، و(معلقة توفيق صايغ) 1963، تغلغلا مسيحيا نصرانيا ينذر العربية "الممجدة والمقدسة" بالويل والثبور، ويهددها بالمحو والخراب. كأنما نسوا أو تناسوا بأن العرب المسيحيين هم من جَمَّلَ العربية، ورقَّاها، وحررها من أثقال البلاغة والألفاظ الوحشية، والتراكيب المتكلسة التي كانت ترسف فيها. والدليل على ذلك: ثلة شامخة من كتاب ومبدعي نهايات القرن التاسع عشر، وبدايات وأواسط القرن العشرين، منهم جبران، وميخائيل، وإيليا أبو ماضي، وجملة من المسرحيين والسينمائيين، والتشكيليين، والموسيقيين، والمغنين والمغنيات، الذين عنوا باللغة العربية، وبرَعوا في تقليبها على أكثر من وجه لتزداد إشراقا ونصاعة، وطواعية، وقوة، ونعومة، وهي تحكي وتبدع وتصور وتفكر، وتمثل، وتغني.
وإذا كان حضور يسوع الناصري كَفَادٍ وكمُخلِّص في شعر توفيق صايغ، حضورا ساطعا، ناتئا ومخفيا تَبعا لاشتعال الحال واللحظة الشعريتين، فإنما لاذَ به وهو العاري المنبوذ الضائع الذي فقد وطنه وأمه وحبيبته (كايْ شو) التي أهداها كل أشعاره، بل وسمى واحدا باسمها. ففلسطين سُرِقَتْ، والحبيبة هجرت مخلفة له آلاما مبرحة، وتمزقا رهيبا. ومن ثمَّة، فهو مسيح عصري جديد يجر صليبه، وسيزيف فلسطيني يُدَوِّن رحلة الشقاء الممض في مسعاه المستحيل إلى استرجاع تاريخه وجغرافيته وهويته وكينونته.
زد على ذلك، أن دائرة مجايليه الشعراء تشرذمت واعتصبت حياله، وتصامتت بإزاء خلقه الشعري، وفتحه الإبداعي، و"غريب" صوره، وبديع انزياحاته ومجازه، ما خلا أصدقاؤه الخُلَّص الذين رفعوه إلى الذروة، واعتبروا شعره فتحا بيّنا، وجديدا نوعيا ومختلفا. لكن، ما عتم أن نسوه بعد رحيله، مثل: جبرا إبراهيم جبرا، ويوسف الخال، وخليل حاوي، ونجيب رياض الريس، وأنسي الحاج، وسلمى الخضراء الجيوسي التي عدَّتْ نصه الشعري (من الأعماق صرختُ إليك يا موتُ)، الموجود في ديوانه (القصيدة ك)، أعلى وأرفع نص في شعرنا المعاصر بقولها: (إن قصيدة: "من الأعماق صرخت إليك يا موت) ليست ذروة في شعر توفيق صايغ فحسب، ولكنها ذروة شامخة في شعرنا المعاصر بأجمعه).
إن توفيق صايغ المهمل والمنسي في مناولات النقاد والشعراء، وفي الأنطولوجيات العربية المكرسة للشعر الحديث والمعاصر، أكبر حداثي، في تقديري، وأهم شاعر كتب القصيدة بالنثر، في طول الوطن وعرضه، لأنه وعى التجديد أسرارا وأعماقا وأبعادا ومساحاتٍ. وعاه ثقافة وفكرا وإبداعا وترجمة. فلا ننسى، وما ينبغي، أنه مترجم كبير وحاذق لكبريات النصوص الإنجليزية والأمريكية، وقارئ من طراز عالٍ وخاص لإيليوت (1888 1965)، ولشعراء التجربة الدينية المرموقين ك: جورج هربرت ( 1593 1633)، وريتشارد كراشو (1613 1649)، وجون دون (1572 1631)، ووليام بلايك (1757 1827)، وهوبكنز (1844 1889). وهذان الأخيران هما الممهدان للحركة الرومانسية الإنجليزية في القرن التاسع عشر.
إن إشارتي هذه إنما تبغي التأكيد على طول باعه، وعمق معرفته بالشعريات القوية الكونية التي غذت شعره، وكانت رافدا ثقافيا وإبداعيا صب في تجربته الشعرية، ووسمها بالاختلاف والجدارة، وإحقاق معنى وتسمية القصيدة الجديدة ب (قصيدة النثر). ومن ثمة، فهو رائد قصيدة النثر. وآية ذلك أنه كتبها قبل أن يكتب أنسي الحاج نصه الانقلابي بمقياس الفن: (لن). إذ أن كتاب توفيق الشعري (ثلاثون قصيدة)، رأى النور في 1954، بينما رأى (لن) النور بعده بست سنوات. وأن باكورة الشاعر الماغوط (حزن في ضوء القمر)، ظهرت بعد باكورة توفيق بخمس سنوات.
أبعد هذا؟. هل نشك في ريادته وإبداعيته، وسبقه، وشموخه، وأصالة حفره ومأتاهُ؟.
ولنتأمل ما قاله السياب في شعره. والسياب كدرويش لهما موقف مناوئ من قصيدة النثر: (لو أن كل الذين كتبوا قصائد نثرية بلغوا مستوى توفيق صايغ، لما اعترضنا عليهم، ولا على الشعر المنثور).
وقول سعيد عقل عن كتابه الشعري (ثلاثون قصيدة)، في المقدمة الرفيعة الباذخة التي وضعها كمدخل للكتاب، والموقعة في زحلة أول أيلول 1954:
(إن كتابه لاَ لِيُقْرَأَ، إنه ليغدو خلجاتٍ فيك، ودماً دافقاً وناراً. إنه مزيجٌ من شبقٍ ولاهوتٍ، من كشف علمي وخطيئة، وبَرَاءة ملائكية أولى. لَكَمْ هو ابنٌ للحياة هذا الذي لم يتعب من قرع باب الحياة).


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.