في سابقة تُربك مشروع "مؤسسات الريادة" بسلك التعليم الابتدائي، الذي تراهن عليه وزارة التربية الوطنية لإصلاح المدرسة العمومية، تفجّرت معطيات حول تسريب الامتحان المحلي الوطني الموحد لمادة الرياضيات، ما فتح بابا واسعا للتساؤل حول منظومة الحكامة، وتأمين الاستحقاقات التقويمية، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل أحد أبرز أوراش الإصلاح التربوي بالمغرب. تسريب يسبق ساعة الصفر وفق إفادات متطابقة من داخل القطاع، تحدّثت لموقع "لكم" بها أسر تلاميذ وأطر تربوية، جرى تداول مواضيع الامتحان المحلي لمادة الرياضيات عبر مجموعات مغلقة على تطبيقات التراسل الفوري، وكذا على منصة "يوتيوب"، قبل أكثر من 12 ساعة من موعد إجرائه داخل بعض مؤسسات الريادة. وهو تسريب شمل جميع المستويات الدراسية، من السنة الأولى إلى السادسة ابتدائي، ما مكّن فئة من التلاميذ من الاطلاع المسبق على مضمون الاختبار، وأخلّ بشكل صارخ بمبدأ تكافؤ الفرص الذي يُفترض أن يشكّل حجر الزاوية في أي عملية تقويم تربوي. وتشير مصادر من داخل المنظومة إلى أن الامتحان المعني، وهو موحد وطنيًا، أُعدّ على مستوى مركزي، قبل أن يُعهد إلى الأكاديميات الجهوية والمديريات الإقليمية بطبعه واستنساخه، في إطار الصيغة المعتمدة بمؤسسات الريادة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول مسار إعداد المواضيع، وعدد المتدخلين فيه، وآليات حفظها وتوزيعها قبل يوم الإجراء. مؤسسات الريادة... مشروع تحت المجهر يكتسي هذا التسريب حساسية مضاعفة، بحكم أن مؤسسات الريادة قُدّمت للرأي العام باعتبارها نموذجًا جديدًا للجودة والنجاعة، يقوم على تتبع دقيق للتعلمات، واعتماد تقويمات منتظمة لقياس الأثر البيداغوجي للإصلاحات المعتمدة، خاصة في اللغات العربية والفرنسية والرياضيات. غير أن هذه الواقعة غير المسبوقة في سلك التعليم الابتدائي أعادت إلى الواجهة هواجس قديمة مرتبطة بثقافة الامتحان، وضعف منظومة التأمين، واستمرار ممارسات "التساهل غير المشروع"، التي كان يُفترض أن يقطع معها هذا النموذج الجديد. فكيف يمكن لمؤسسات تُقدَّم كقاطرة للإصلاح أن تعجز عن تحصين امتحان محلي من التسريب؟ صمت رسمي وغضب في صفوف الأسر إلى حدود كتابة هذه السطور، لم يصدر أي بلاغ رسمي يوضح حيثيات ما جرى أو يحدّد المسؤوليات، وهو ما زاد من منسوب التوتر في صفوف أولياء الأمور، الذين عبّر بعضهم عن استيائه من "الاستخفاف بمجهودات التلاميذ"، مطالبين بإعادة الامتحان أو اعتماد آليات تصحيح تأخذ بعين الاعتبار الخلل المسجّل. في المقابل، اعتبرت فعاليات تربوية أن الاكتفاء بإجراءات شكلية، أو تحميل المسؤولية لحلقة ضعيفة داخل السلسلة، لن يكون كافيًا، ما لم يُفتح تحقيق إداري جدي يطال جميع المتدخلين، من مرحلة إعداد الموضوع إلى مرحلة حفظه وتداوله. المساءلة... شرط إنقاذ المصداقية يرى مختصون في قضايا التربية والتكوين، تحدّثوا لموقع "لكم"، أن خطورة هذا التسريب لا تكمن فقط في نتائجه الآنية، بل في أثره الرمزي على الثقة في مشروع مؤسسات الريادة برمّته. فالتقويم، بحسب هؤلاء، ليس مجرد إجراء إداري، بل أداة لقياس التعلمات وتوجيه السياسات العمومية، وأي عبث به يفرغ الإصلاح من محتواه. ويؤكد هؤلاء أن ربط المسؤولية بالمحاسبة، كما ينص على ذلك الدستور، يظل المدخل الأساس لتفادي تكرار مثل هذه الوقائع، سواء عبر تحديد المسؤوليات الفردية والمؤسساتية، أو من خلال مراجعة مساطر إعداد وتأمين الامتحانات المحلية، واعتماد حلول رقمية أكثر أمانًا. بين الامتحان والإصلاح حادثة تسريب امتحان الرياضيات بمؤسسات الريادة في سلك التعليم الابتدائي تضع وزارة التربية الوطنية أمام اختبار حقيقي: فإما التعامل مع الواقعة باعتبارها حادثًا معزولًا يمكن تطويقه بالصمت، أو اعتبارها جرس إنذار يستدعي تصحيح الاختلالات البنيوية التي ما تزال تعيق إصلاح المدرسة العمومية.