في لحظات الإفلاس السياسي، حين تعجز دولة المخزن عن إنتاج شرعيتها من منابعها الطبيعية مثل العدالة الاجتماعية والكرامة والتنمية المتوازنة، تلجأ إلى بدائل رمزية تعيد بها تشكيل وعي الجماهير. هنا لا تعود الشرعية مرتبطة بالفعل السيادي الحقيقي، بل تتحول إلى عرض استعراضي، إلى لحظة فرجوية تستدعى كلما اشتد الاختناق. في هذا السياق تبرز الشرعية الكروية كأحد أخطر أشكال التعويض السياسي، حيث يتحول الكأس بما يحمله من رمزية شعبية محتملة إلى سؤال مصيري يراد له أن يعوض كل الأسئلة المؤجلة. لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاج الهيمنة. يتم تسويق الانتصارات الكروية أو حتى الوهم بها كإنجازات وانتصارات وطنية كبرى، بينما يتم التعتيم على الإفلاس والانهيارات العميقة في قطاعات مصيرية ك التعليم والصحة والاقتصاد. يصبح الفوز في مباراة حدثا وطنيا، بينما يصبح الفشل في السياسات مجرد تفصيل خارج دائرة الاهتمام والتصنيف وبالأحرى الانتباه. هكذا يعاد تأثيث وترتيب أسس الوعي الجماعي للشعب من مساءلة دور دولة المخزن في الإخفاقات الشاملة إلى سيرك عار يختزل في اوهام تشجيع المنتخب، ومن المطالبة بالحقوق إلى انتظار الأهداف في الشباك وقرارات بأثر رجعي. حين تفقد دولة المخزن قدرتها على الإقناع تستثمر في الإبهار. تتحول إلى ما يشبه مسرحا دائما، تدار فيه العواطف بدل المصالح، وتصاغ فيه الرموز الوظيفية الموقتة بدل السياسات. في هذا المسرح تحتل كرة القدم موقع البطولة لأنها الأكثر قدرة على تحريك الجماهير بسرعة وعلى إنتاج لحظات جماعية من النشوة المؤقتة. لكن هذه النشوة ليست بريئة، بل تستخدم كآلية لتأجيل الانفجار الاجتماعي وإعادة توجيه الغضب نحو مسارات آمنة. فبدل أن يطرح السؤال حول الفقر أو البطالة يطرح السؤال حول التشكيلة والمدرب والحكم، وبدل أن يحاسب المسؤول يحاسب اللاعب. في عمق هذا التحول يتحول الكأس إلى رمز بديل عن الكرامة المفقودة. يقدم كتعويض نفسي وكدليل على القدرة الوطنية حتى وإن كانت هذه القدرة محصورة في المستطيل الأخضر. وهنا تكمن المفارقة، يتم الاحتفاء بانتصار رمزي بينما تستمر الهزائم الحقيقية في الحياة اليومية. الكأس الزائف ليس فقط ذلك الذي يفاز به في ظروف ملتبسة، بل هو أيضا ذلك الذي يحمل أكثر مما يحتمل ويستخدم لتبرير واقع غير قابل للتبرير. إنه أداة لإنتاج الوهم لا لتعزيز الحقيقة. في ظل هذا الواقع تتحول البطولات الرياضية إلى سياسة قائمة بذاتها. يتم الاستثمار المكثف في تنظيم التظاهرات وتشييد الملاعب وصناعة صورة دولية لامعة، بينما تترك القطاعات الحيوية في حالة تآكل مستمر. تصرف الأموال على الفرجة في وقت يتم فيه تقزيم ميزانيات التعليم والصحة. هذا ليس خللا عرضيا بل تعبير عن اختيار سياسي واضح يفضل ما ينتج الانطباع على ما ينتج التغيير، فالصورة تباع بسهولة بينما التغيير يتطلب إرادة ومساءلة. الأكثر إثارة للقلق هو موقع النخب في هذا المشهد. بدل أن تكون قوة نقدية تحولت في كثير من الأحيان إلى جزء من العرض. بعض النخب اختارت التماهي مع الخطاب الرسمي، والبعض الآخر اكتفى بالمشاهدة، بينما فضل آخرون الصمت كاستراتيجية للبقاء. وهكذا تم تفريغ المجال العمومي من صوته النقدي، وأصبح النقاش محصورا في تفاصيل هامشية بينما تترك القضايا المصيرية خارج التداول. لم تعد النخبة تقود الوعي بل أصبحت تساق معه. لا يمكن إنكار أن كرة القدم تحمل طاقة جماعية هائلة ويمكن أن تكون أداة للتعبير الشعبي، بل وحتى للتحرر الرمزي. لكن في غياب سياق ديمقراطي تتحول هذه الطاقة إلى أداة تدجين تستخدم لتفريغ التوتر لا لتغييره. الفرق ليس في اللعبة بل في من يديرها ولماذا، هل تستخدم لتعزيز قيم المواطنة والعدالة أم لتغطية الفشل وإعادة إنتاج التحكم والهيمنة. الشرعية الكروية في دولة المخزن ليست حلا بل تفريخ مؤقت لأمراض مزمنة أعمق بكثير ، يمكن اختزالها في فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع. إنها محاولة لتجميل الواقع بدل تغييره ولإسكات الأسئلة بدل الإجابة عنها، لكنها مهما بدت ناجحة تبقى مؤقتة لأنها لا تمس الجذور. حين يتحول الكأس إلى سؤال مصيري للأمة فذلك لأن الأسئلة الحقيقية تم استبعادها وإقصاؤها، وحين يطلب من الجماهير أن تحتفل بدل أن تحاسب فذلك يعني أن السياسة قد انتصرت لصالح الإلهاء والفرجة. في النهاية لا يمكن لأي انتصار في الملعب أن يعوض الهزيمة في الواقع، ولا لأي كأس مهما لمع أن يخفي حقيقة الإفلاس الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وموت السياسة. لاهاي 18 مارس