مع تطور الذكاء الاصطناعي، لم تعد العين قادرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. مقاطع فيديو تُظهر رؤساء دول يتحدثون بما لم يقولوه، تسجيلات صوتية توجّه أوامر بتحويل أموال، ووجوه مألوفة تُزجّ في محتويات جنسية زائفة... هكذا يتسلل "الديب فيك" إلى الواقع، محمّلاً بقدرة تكنولوجية فائقة ومخاطر تتجاوز الخيال. ابتداءً من سنة 2017، بدأت مقاطع "الديب فيك" تلفت الأنظار في شبكات التواصل، لكن خلال السنوات الأخيرة، تضاعف القلق العالمي مع تطور أدوات التوليد المفتوحة وتراجع كلفة الاستخدام. التقنية تعتمد على خوارزميات تعلّم عميق (Deep Learning) لإنتاج محتوى بصري أو صوتي مزيف يبدو واقعيًا بدرجة يصعب كشفها. ورغم أن بعض الاستخدامات تُوظف لأغراض السينما أو الترفيه، فإن جهات أمنية وقضائية حول العالم باتت تدق ناقوس الخطر. ففي تقرير صادر عن الوكالة الأمريكية للأمن الإلكتروني (CISA) سنة 2025، تم تصنيف الديب فيك كأحد التهديدات الخمسة الأولى للأمن الرقمي في الولاياتالمتحدة. القلق لا يقتصر على الحكومات. ففي دراسة نشرتها شركة "iProov" للأمن السيبراني، قال 71% من المسؤولين في القطاع المالي إنهم يعتقدون أن الديب فيك سيُستخدم قريبًا في هجمات احتيالية كبرى. وفي حالة موثقة سنة 2023، خسر فرع شركة بريطانية في هونغ كونغ أكثر من 25 مليون دولار بعد أن تلقّى مديره مكالمة فيديو مزيفة من شخصية تنفيذية تطلب تحويل الأموال فورًا. أخطر ما في التقنية، بحسب خبراء، هو قابليتها للاستعمال ضد الأفراد العاديين. فقد كشفت منصة "Sensity AI" أن 96% من فيديوهات الديب فيك المنشورة على الإنترنت حتى 2023 كانت ذات طابع جنسي، وغالبًا ما تستهدف النساء دون موافقتهن. هذه الظاهرة دفعت بعض الدول، بينها الولاياتالمتحدة وكوريا الجنوبية، إلى إصدار قوانين تجرّم إنتاج أو نشر المحتوى المزيف ذي الطابع الجنسي. في المقابل، ما تزال بعض البلدان تفتقر لتشريعات واضحة. ووسط هذا الفراغ القانوني، تتعالى الدعوات لاعتماد معايير دولية تُلزم المنصات الرقمية بالكشف المسبق عن المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، أو حذفه عند التبليغ. ورغم الجهود التقنية المبذولة لتطوير أدوات كشف الديب فيك، مثل تحليل الوميض، وتناسق الشفاه، ودقة الظلال، إلا أن صانعي المحتوى الزائف يسبقون دائمًا بخطوة. وفي هذا السباق المحموم بين التزييف والكشف، تبقى الحقيقة أول الضحايا.