رواد "أرتيميس" يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها البشر في الفضاء    الدفاع الحسني الجديدي يعود بتعادل ثمين من "دونور" أمام الوداد الرياضي    ميناء طانطان.. تفريغ 3300 طن من سمك السردين خلال عشرة أيام بقيمة 12 مليون درهم    السعدي يعطي انطلاقة استغلال مجمع الصناعة التقليدية بجماعة تمصلوحت بإقليم الحوز    مهنيو الصحة التجمعيون: استكمال تأهيل المراكز الصحية "إنجاز استراتيجي" يخدم السيادة الوطنية    القاهرة تحسم موقفها لصالح الرباط: دعم مصري صريح لمغربية الصحراء يربك حسابات الجزائر ويعزز التفوق الدبلوماسي المغربي    ناصر بوريطة يجري مباحثات مع وزير الخارجية المصري    مصر تؤكد دعمها للوحدة الترابية للمملكة وتأييدها لقرار مجلس الأمن الأخير بشأن الصحراء المغربية    مراكش تنجو من 17 ألف قرص مهلوس    مصر تشيد بدور جلالة الملك، رئيس لجنة القدس، في دعم القضية الفلسطينية وبالمبادرات الملكية على المستوى الإفريقي    أكدت جمهورية مصر العربية، اليوم الاثنين بالقاهرة، دعمها للوحدة الترابية للمملكة المغربية، وتأييدها لقرار مجلس الأمن 2797 ولحل سياسي متوافق بشأنه بخصوص قضية الصحراء المغربية.    استنفار أمني بشفشاون بعد العثور على جثة قرب "راس الماء"    تقلبات جوية وأمطار مرتقبة بالريف مع انخفاض في درجات الحرارة    رئيس وزراء مصر: العلاقات مع المغرب تستند إلى أسس تاريخية وثقة متبادلة    بورصة الدار البيضاء تنهي تداولاتها بأداء إيجابي        إيران ترفض مقترح الهدنة الأمريكي وتطرح شروطها    القسم الثاني.. وداد تمارة تخطف الصدارة من "الماط" وضغط متزايد في القاع    ترامب: الثلاثاء هو الموعد النهائي لإيران    "الكونفدرالية": جولة أبريل قد تهدد الاستقرار الاجتماعي ما لم تقر زيادة في الأجور وتستجب للانتظارات    المنتخب المغربي ينهي بطولة شمال إفريقيا لأقل من 17 سنة بالعلامة الكاملة    بنسعيد يوقع اتفاقيات تعاون مع مصر    "دروب وفجوات": ندوة تكريمية وإصدار جماعي يحتفي بالعطاء الفكري لعبد السلام بنعبد العالي    الحكومة تتجه لضبط سوق الأدوية بتشديد العقوبات بغرامات تصل إلى 100 مليون سنتيم    طهران تعرض مقترحات لإنهاء الصراع    برنامج "رحلة إصرار" يعيد أسماء ابن الفاسي إلى القناة الأولى بصيغة إنسانية    وزارة الصحة تُطلق الحملة الوطنية للتواصل من أجل تعزيز صحة وتغذية المرأة الحامل والمرضعة    السينما الموريتانية ضيف شرف مهرجان تافسوت بتافراوت    "البيجيدي" يدعو لمراقبة صارمة للأسواق خاصة في قطاع المحروقات وإعادة تشغيل "سامير"    في يومها العالمي : الرياضة .. تُنقذ الأجساد وتُهذّب الإنسان    السنغال ترفض خسارة "كان المغرب"    دوري أبطال أوروبا.. مواجهات حارقة في ذهاب ربع النهائي    خطر إغلاق مراكز النداء وتسريح المستخدمين... نقابة تحذر من أزمة اجتماعية وشيكة    المصادقة ‬على ‬44 ‬مشروعا ‬بقيمة ‬إجمالية ‬تفوق ‬86 ‬مليار ‬درهم ‬ستمكن ‬من ‬إحداث ‬حوالي ‬20.‬500 ‬منصب ‬شغل ‬    الصحراء مغربية بشرعية التاريخ والقانون والانتماء ومصيرها ليس مرتبطا بالمينورسو    المجلس ‬الاقتصادي ‬والاجتماعي ‬يحذر ‬من ‬هشاشة ‬المسالك ‬الغابوية ‬بالمغرب ‬ويدعو ‬لصيانة ‬مستدامة    كيوسك الإثنين | ارتفاع صادرات المغرب من الخدمات التجارية بنسبة 17 بالمائة    "التوجه الديموقراطي" تدين منع تجديد مكتبها الإقليمي بإنزكان وتعتبره "خرقا سافرا" للحريات النقابية    الحرس الثوري ينعى العميد خادمي    رغم الإصابة... محمد ياسين سليم يصعد إلى منصة التتويج ويقود شباب العرائش للتألق في إقصائيات التايكواندو الوطنية    صراع ناري في افتتاح ماراطون الرمال    دعوات لمسيرة حاشدة بالرباط للتنديد بإغلاق مسجد الأقصى وكنيسة القيامة    فاجعة بمشرع بلقصيري.. غرق تلميذين بوادي سبو يهز الرأي العام المحلي    توقيف سائق متورط في حادثة سير مميتة راح ضحيتها طفل قرب ملعب طنجة الكبير بعد فراره    اتحاد طنجة لكرة اليد يختتم البطولة بلا هزيمة ويعبر إلى الدوري المصغر حلمًا بالصعود        "فسيفساء العالم" بالرباط: جامعة محمد الخامس تحتفي بتعدد الثقافات وتحوّل الحرم الجامعي إلى فضاء للحوار الكوني    في مثل هذا الشّهر انطفأ البدرْ!    تفاعل واسع مع وفاة شوقي السدوسي وإجماع على خصاله الإنسانية        بمناسبة اليوم العالمي لداء السل .. أرقام مقلقة في جهة الرباط سلا القنيطرة    متحور "سيكادا" يعود للواجهة.. الطيب حمضي يوضح: سريع الانتشار وليس أكثر خطورة    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447 ه من 06 إلى 16 أبريل    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج    فتح فترة استثنائية جديدة لاستخلاص المبلغ الزائد من مصاريف الحج لموسم 1447    دراسة: زيادات بسيطة في النوم والنشاط البدني تقلل مخاطر أمراض القلب    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



من طب العيون في لندن إلى الحرب في سوريا.. هذه سيرة بشار الأسد
نشر في الأول يوم 08 - 12 - 2024

كثيرة هي المحطات الرئيسية الكبرى في حياة الرئيس السوري بشار الأسد، لكن ربما كان لحادث مروري، وقع على بعد آلاف الكيلومترات من المكان الذي كان يعيش فيه، التأثير الأكبر على حياته.إذ لم يكن من المخطط أن يتولى بشار الأسد الرئاسة خلفا لوالده لولا وفاة شقيقه الأكبر باسل في حادث سيارة قرب دمشق مطلع عام 1994، ليتم بعدها إعداد طبيب العيون، الذي كان يتلقى علومه في لندن آنذاك، لكي يكون وريثا للحكم في سوريا ويقود لاحقا البلاد خلال حرب دموية راح ضحيتها مئات الآلاف من السوريين، وهُجّر الملايين بسببها. فما هي المحطات الأساسية في حياة بشار الأسد؟ وكيف تحول من طالب يدرس الطب إلى رئيس يُوصف حكمه بالسلطوي وتُتهم قواته، بارتكاب مجازر وجرائم حرب؟
إرث الأب
ولد بشار الأسد عام 1965 لحافظ الأسد وأنيسة مخلوف.جاءت ولادة بشار في فترة كانت عائلته وسوريا بل ومنطقة الشرق الأوسط بأكملها تشهد الكثير من التطورات الدرامية.ففي تلك الفترة كان الخطاب القومي العروبي يهيمن على حكومات العديد من بلدان الشرق الأوسط، خاصة في مصر التي كان يحكمها الرئيس جمال عبد الناصر.دمشق كانت أيضا تروج للقومية العربية خاصة في ظل حكم حزب البعث الذي تولى الحكم بعد فترة قصيرة من فشل الوحدة بين مصر وسوريا التي استمرت بين عامي 1958 و1961.وكما كان الحال في مصر وأغلب البلدان العربية في تلك الفترة، لم يكن الحكم في سوريا ديمقراطيا ولم يعرف انتخابات تعددية، بينما اتخذ سياسات اقتصادية وسياسية عادت بالنفع على فئات فقيرة ومهمشة في المجتمع.كانت الطائفة العلوية التي تنتمي إليها عائلة الأسد من بين هذه الفئات المهمشة في سوريا، بل يرى البعض أنها كانت من بين الفئات الأكثر تهميشا.ولعبت الأوضاع الاقتصادية الصعبة للعلويين، الذين يقدر عددهم حاليا بنحو 12 في المئة من إجمالي عدد السكان، دورا في مشاركتهم بأعداد كبيرة داخل صفوف الجيش السوري بدءا من النصف الثاني من القرن العشرين.
كان الأسد الأب من أبرز العسكريين الذين صعد نجمهم في تلك الفترة بدعمه لحزب البعث، وصولا إلى تقلده منصب وزير الدفاع عام 1966.وفي عام 1970 انفرد حافظ الأسد بالسلطة ليتولى في العام اللاحق منصب الرئيس، الذي احتفظ به حتى وفاته عام 2000، وهو الأمر الذي كان استثنائيا في تاريخ سوريا في النصف الثاني من القرن العشرين الذي شهد الكثير من الانقلابات العسكرية، منذ الاستقلال عن فرنسا.وخلال تلك الفترة، شهدت سوريا الكثير من الأحداث الكبيرة كحرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، والحرب الأهلية في لبنان، والمواجهات بين الحكومة السورية والإخوان المسلمين خاصة في حماة عام 1982، والحرب العراقية الإيرانية التي وقفت دمشق خلالها إلى جانب طهران، في ظل العداء بين حافظ الأسد وصدام حسين.ويمكن القول إن حافظ الأسد قمع معارضيه، ولم يشهد حكمه أي انتخابات ديمقراطية. كما تمكن في الوقت ذاته من المناورة وعقد صفقات براغماتية سمحت له بالنجاة من العديد من التحديات والتغيرات الدولية. فعلى سبيل المثال، كانت سوريا من بين أبرز حلفاء الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط، لكن هذا لم يحل دون انضمامها إلى معسكر الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية ضد العراق مطلع عام 1991.
الطب ولندن
في ظل كل هذه الأحداث سلك الابن بشار لنفسه طريقا بعيدا عن السياسة والجيش.فبعد تخرجه في جامعة دمشق في ثمانينيات القرن الماضي، سافر إلى بريطانيا لمواصلة دراسته الطب؛ إذ التحق بمستشفى "ويسترن لندن لأمراض العيون" ليتخصص في هذا المجال.وبحسب ما جاء في السلسة الوثائقية "عائلة خطيرة.. آل الأسد"، الذي أنتجته بي بي سي عام 2018، كان بشار الأسد سعيدا بالحياة في لندن بمختلف مظاهرها، وكان -على سبيل المثال- من المعجبين بالمغني الإنجليزي فيل كولينز.وفي لندن تعرف بشار على زوجته المستقبلية، أسماء الأخرس، التي يعود أصولها إلى مدينة حمص.كانت أسماء تدرس علوم الكمبيوتر في جامعة كينغز كوليدج ولاحقا قُبلت لدراسة ماجستير إدارة الأعمال في جامعة هارفارد الأمريكية العريقة، لكن حياتها كانت بصدد اتخاذ منحى مختلف.بينما بدا أن حياته بشار وأسماء ستكون هادئة نسبياً، جاء القدر مختلفاً.
وفاة "الوريث"
كان ترتيب بشار بين أبناء حافظ الأسد هو الثاني بعد الابن الأكبر باسل، الذي كان يُنظر إليه كوريث الأب."الوريث" باسل درس الهندسة وكان شغوفا برياضة الفروسية وفاز بالعديد من الألقاب المحلية.وفي يناير 1994، أودى حادث مروري بحياة باسل الأسد ما أحدث تغييرا كبيرا في حياة الشقيق بشار.اُستدعي بشار من بريطانيا على الفور، لتبدأ لاحقا عملية إعداده ليصبح رئيسا مستقبليا لبلاده، بداية من انضمامه للجيش وصولا إلى تلميع صورته إعلاميا تمهيدا لدوره المقبل.
الرئيس الشاب وحلم التغيير
في يونيو عام 2000 توفي حافظ الأسد. وبعد وفاة الأب ُنصّب الابن ذي ال34 عاما رئيسا للجمهورية، عقب تعديل مادة في دستور البلاد كانت تشترط ألا يقل عمر الرئيس عن 40 عاما.أدّى الرئيس الشاب اليمين الدستورية أمام البرلمان في صيف عام 2000 ، مستخدما لغة جديدة؛ إذ تحدث عن "الشفافية والديمقراطية ومسيرة التطوير والتحديث والمساءلة، والفكر المؤسساتي".وبعد أشهر من توليه رئاسة سوريا، تزوج بشار الأسد من أسماء الأخرس لينجبا ثلاثة أبناء هم حافظ وزين وكريم.وبدأ الرئيس الشاب يتحدث عن عزمه القيام بإصلاحات سياسية ورفع القيود عن وسائل الإعلام. وهكذا تسلل التفاؤل إلى قلوب قطاع كبير من السوريين، الذين رأوا في الرئيس الطبيب وزوجته ذات الثقافة الغربية، دليلا على أن البلاد مقبلة على مرحلة جديدة عنوانها التغيير.وشهدت سوريا بالفعل نوعا من النقاشات وهامشا من حرية التعبير في أوساط المثقفين بشكل لم يكن مألوفا من قبل، لتنتج المرحلة حراكا مدنيا أطلق عليه اسم "ربيع دمشق"."ربيع دمشق" لم يستمر طويلا ففي عام 2001 عادت أجهزة الأمن لاعتقال المعارضين الذين جهروا بآرائهم.ورغم إجرائه بعض الإصلاحات الاقتصادية التي سمحت بمساحة أكبر للقطاع الخاص في الاقتصاد السوري، شهدت السنوات الأولى من حكم بشار الأسد، صعود نجم ابن خاله رامي مخلوف، الذي أسس إمبراطورية اقتصادية، رأى فيها معارضون تجسيدا للمزج بين المال والسلطة.وتزامنت نهاية "ربيع دمشق" مع حقبة دولية جديدة تشكلت عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما أعقبها من حروب أمريكية في أفغانستان والعراق.
حرب العراق واغتيال الحريري
كانت حرب العراق عام 2003 سببا في التدهور الكبير للعلاقات بين بشار الأسد وحكومات غربية، فالرئيس السوري كان من المعارضين لغزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة، وهو ما قد أرجعه البعض إلى خشيته من أن تكون سوريا هي المحطة التالية للغزو الأمريكي، ليلقى مصيرا مشابها لمصير صدام حسين.واشنطن بدورها اتهمت دمشق بغض الطرف عن عمليات تهريب الأسلحة إلى المسلحين المعارضين للاحتلال الأمريكي للعراق، بل والسماح بدخول المتطرفين إلى العراق عبر الحدود الطويلة بين البلدين.وفي نهاية عام 2003 وافق الكونغرس على قانون "محاسبة سوريا" الذي سمح بفرض عقوبات على دمشق لعدة أسباب من بينها ما وُصِفَ "دعم الإرهاب".قانون "محاسبة سوريا"، لم يكن متعلقا فقط بدور حكومة بشار الأسد في العراق، بل كان مرتبطا بالوجود السوري في لبنان، وهو البلد الذي سيكون هو الآخر، سببا في زيادة الضغوط الدولية على الأسد.
ففي فبراير عام 2005 اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، الذي كان آنذاك من أبرز المناوئين للسيطرة السورية على لبنان.وعقب الاغتيال، الذي وقع جراء انفجار ضخم في وسط بيروت، وُجِهت أصابع الاتهام صوب سوريا وحلفائها. واشتعلت في لبنان مظاهرات عارمة تزامنت مع الضغوط الدولية على دمشق ما أدى إلي الانسحاب السوري من لبنان بعد نحو 30 عاما من دخول القوات السورية إليه.رغم ذلك، دأب الأسد وحليفه الأبرز في لبنان، حزب الله، على نفي التورط في اغتيال الحريري، حتى بعد أن أدانت محكمة دولية خاصة في عام 2020، أحد أعضاء الحزب بتهمة التورط في الجريمة.إقليميا، شهد العقد الأول من حكم الأسد الابن تعزيزا في علاقات بلاده مع إيران، فضلا عن تحقيق تقارب مع كل من قطر وتركيا، وهو ما سيتغير لاحقا. أما علاقته بالسعودية، فقد عرفت محطات من المد والجزر، رغم الدعم الذي قدمته الرياض للرئيس الشاب بداية حكمه.وبشكل عام سار الأسد الابن على خطى الأب فيما يتعلق بممارسة المناورات في السياسة الخارجية، مع عدم الزج بسوريا في أي مواجهات مسلحة مباشرة.وبعد عشر سنوات من تسلمه السلطة، كان بشار الأسد يمارس الحكم بنهج وصف ب"السلطوي"، وأحل عناصر موالية له محل شخصيات بارزة من الحرس القديم. كذلك استمرت السلطات في قمع المعارضين وسط غياب للحرية السياسية أو التعددية.
شرارة البوعزيزي
في شهر ديسمبر عام 2010 كانت أسماء الأسد تجري مقابلة مع صحفية تعمل لصالح مجلة "فوغ"، تحدثت فيها عن أن منزلها يُدار ب "طريقة ديمقراطية".وفي اليوم ذاته، أقدم بائع الخضراوات التونسي محمد البوعزيزي على إضرام النار في نفسه، احتجاجا على صفعه من قبل شرطية، لتشتعل انتفاضة شعبية في تونس، تطيح بحكم الرئيس زين العابدين بن علي.انتفاضة تونس نقلت بشكل غير متوقع روح الثورات، إلى العديد من البلدان العربية، كمصر وليبيا واليمن والبحرين وصولا إلى سوريا.المقابلة التي نشرتها مجلة "فوغ" تحت عنوان "زهرة في الصحراء" في مارس 2011، قبل أن تعود وتسحبها لاحقا، جاء فيها أن سوريا "بلد يخلو من التفجيرات والتوترات وعمليات الاختطاف" وهو الأمر الذي سيتغير خلال الأشهر المقبلة.ففي منتصف مارس، تظاهر ناشطون قرب سوق الحميديّة في دمشق، لكن بعدها بأيام قليلة انطلقت مظاهرات مطالبة بالديمقراطية في مدينة درعا جنوبي البلاد، بعد اعتقال أطفال، كتبوا شعارات منددة بالأسد على جدران المدينة – واستمرت تلك المظاهرات.
انتظر الأسد مرور أسبوعين على اشتعال شرارة الاحتجاجات السورية قبل أن يتوجه بخطاب للشعب السوري ألقاه أمام أعضاء البرلمان، ووعد فيه بإحباط ما أسماه بالمؤامرة التي تستهدف بلاده، رغم اعترافه بوجود حاجات لم تلب لدى قطاعات واسعة من الشعب.إطلاق قوات الأمن النيران على المتظاهرين في درعا، أذكى المظاهرات في المدينة، لتنتشر حركة الاحتجاجات الداعية إلى تنحي الأسد في مدن عدة على مستوى البلاد، وهو ما قابلته السلطات باللجوء إلى العنف لقمع المتظاهرين، متحدثة عن وجود "مخربين ومندسين تحركهم جهات خارجيّة".ولم تمض بضعة أشهر حتى تحول الأمر إلى مواجهات مسلحة، بين القوات الحكومية وفصائل معارضة حملت السلاح في مناطق عدة بالبلاد.
تدخل دولي وجهاديون
ومع تواصل الصراع، بدأت تقديرات الأمم المتحدة لضحايا الحرب السورية، تتزايد بشكل كبير من عشرات الآلاف من الأشخاص إلى مئات الآلاف مع زيادة حدة المواجهة، في ظل تدخل قوى إقليمية ودولية في الصراع.روسيا وإيران وجماعات مسلحة موالية لطهران، شاركت إلى جانب قوات الأسد، بينما دعمت تركيا ودول خليجية فصائل مسلحة.ورغم أن المظاهرات المناوئة للأسد رفعت شعارات الحرية والديمقراطية دون تفرقة بين أبناء الشعب السوري على اختلاف مذاهبهم، وجد الخطاب الطائفي، الذي كان حاضرا بشكل ما قبل اندلاع الانتفاضة، طريقه إلى ما يجري في البلاد، مع اتهام قطاع من المعارضة الحكومة بموالاة العلويين على حساب الأغلبية من السنة، بينما تبنت حكومة الأسد بدورها خطابا يصف المعارضين بالإرهابيين.ثم جاء التدخل الإقليمي في الصراع، ليذكي حديث الطائفية.وهكذا بدأت فصائل إسلامية معارضة، تتبنى خطابا طائفيا معاديا للعلويين، بينما توافدت على سوريا فصائل مسلحة شيعية موالية لإيران، على رأسها حزب الله اللبناني، لدعم حكومة دمشق.في ظل هذه الأجواء كان الجار العراقي يشهد سيطرة فصيل جهادي متطرف يتبنى تفسيرا متشددا للشريعة الإسلامية، حمل اسم تنظيم "الدولة الإسلامية" في مناطق واسعة من الأراضي العراقية قبل أن يستغل الحرب المشتعلة في سوريا لفرض سيطرته على مدن سورية ويتخذ من مدينة الرقة السورية عاصمة له.
جرائم حرب وأسلحة كيميائية
في غشت 2013 قُتل مئات الأشخاص في هجوم كيميائي على منطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق، التي كانت تحت سيطرة المعارضة.قوى غربية وفصائل المعارضة السورية، قالت إن الهجوم من تنفيذ قوات الأسد.ورغم نفي دمشق تورطها في الهجوم الكيميائي، إلا أنها وافقت على تدمير مخزونها من الأسلحة الكيميائية، في ظل تهديدات وضغوط غربية.لكن هذا لم يضع نهاية للفظائع التي شهدتها الحرب السورية، ومن بينها المزيد من الهجمات بالأسلحة الكيميائية.كذلك اتهمت لجان أممية أطراف الصراع في سوريا، بارتكاب الكثير من جرائم الحرب، مثل القتل والتعذيب والاغتصاب.وبعد سنوات من بدء الانتفاضة بدت حكومة الأسد على وشك الانهيار، مع فقدانه السيطرة على مناطق واسعة من البلاد، إلا أن الموازين انقلبت بعد تدخل روسيا بشكل مباشر في الحرب، وهو ما سمح للأسد باستعادة السيطرة علي مناطق كان قد خسرها لصالح مناوئيه.
حرب غزة
شهدت الفترة من بين عامي 2018 و2020 إبرام اتفاقات برعاية قوى إقليمية ودولية، دشنت وضعا تسيطر فيه القوات الحكومية على الجزء الأكبر من سوريا، بينما تقاسمت المعارضة المسلحة الإسلامية والجماعات المسلحة الكردية، السيطرة على مناطق واسعة في شمال وشمال شرقي البلاد.منحت هذه الاتفاقات الأسد المزيد من الثقة؛ فالرجل الذي كانت علاقاته الخارجية قد تضررت بشكل كبير منذ بدء الانتفاضة، بات يعود تدريجيا للساحة العربية، وهو ما تجسد باستعادته مقعد سوريا في جامعة الدول العربية عام 2023، بعد سنوات من تعليق عضويتها فيها.كما استقبل في عواصم عربية كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية معه، في حين عرفت دمشق إعادة فتح سفارات عربية عدة فيها.ورغم الأزمات الاقتصادية التي كانت تعصف بسوريا مع بداية العقد الثالث من حكم الأسد، إلا أن الرئيس السوري بدا وكأنه نجا من أكبر تحدٍ واجه حكمه، وبدت منطقة الشرق الأوسط على موعد مع مرحلة من الهدوء النسبي، بعد سنوات من صراعات داخلية دامية.إلا أنه وفي أكتوبر عام 2023 شنت حركة حماس هجوما مفاجئا على إسرائيل، أطلق حربا في قطاع غزة، سرعان ما انتقلت تبعاتها إلى لبنان، لتطال بالأخص حزب الله، حليف بشار الأسد.كبدت المواجهة مع إسرائيل الحزب – الذي يحظى بدعم إيران – خسائر كبيرة، ونجم عنها مقُتل أغلب قادته ومن بينهم أمينه العام حسن نصر الله.وبعد أن وافق حزب الله على وقف لإطلاق النار، تحولت أنظار العالم بشكل درامي إلى سوريا.
إذ شنت فصائل معارضة سورية تقودها هيئة تحرير الشام، في اليوم ذاته الذي بدأ فيه تطبيق وقف إطلاق النار في لبنان، هجوما مباغتا على مدينة حلب، لتسيطر عليها قي وقت قياسي وتواصل تقدمها بشكل متسارع، لتسيطر على حماة.ومع اقتراب المعارضة المسلّحة من مدينة حمص، وخروج مناطق في الجنوب السوري عن سيطرة الجيش السوري، عاد السؤال نفسه ليتكرر مرة أخرى على ألسنة الناس في سوريا وخارجها: هل ينجو الأسد؟ أم أن حكمه وصل إلى نهايته؟.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.