العروي تسجل أوّل إصابة مؤكّدة بفيروس "كورونا"    كراء المأذونيات يدفع سائقي "الطاكسيات" إلى طلب مساعدة الحكومة    شركات البورصة توزع أرباحا قياسية على مساهمين    مجلس الأمن : مسلسل الموائد المستديرة هو السبيل الوحيد للتوصل إلى حل سياسي نهائي للنزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية    "ترانسبارنسي" تدعو الحكومات إلى الشفافية في تدبير "صناديق كورونا"    أخصائية مغربية تحذر من كثرة استخدام الأعشاب ووصفات الأنترنيت‬    نقطة نظام: درءا للأسوأ    حالة شفاء جديدة من كورونا لسيدة ألمانية بمستشفى محمد السادس بطنجة    الحكومة تصادق على مشروع قانون يتعلق بحالة الطوارئ الصحية    "جمعية إصلاح الإدارة" تساهم في صندوق كورونا    الفريق الاستقلالي بمجلس النواب يطالب بتدارس موضوع المغاربة العالقين في الخارج    الخطوات الكاملة لغير المسجلين في "راميد" للحصول على الدعم    "مدن الاحتجاجات" تستجيب للسلطات .. و"المحور" يخرق "الحَجر"    وهبي يعفي أبدرار من مهام رئاسة الفريق النيابي بمجلس النواب    المؤسسة التشريعية في مواجهة فيروس كورونا    السلطات المغربية تمنع بيع الكمامات الصحية بالتقسيط بالمحلات التجارية وتتوعد المخالفين    سنعود قريبًا إلى حياتنا الطبيعية!!    بيع أزيد من 10000 تذكرة لمباراة الوداد ضد فيروس كوفيد 19    بوعياش: الجائحة تغلِّب روح الجماعة وتطرح تحديات حقوقية جديدة    وشاية كاذبة تضع شخصين في يد درك زاوية الشيخ    معه أطباء مغاربة.. ماكرون يلتقى البروفسور راوول المدافع عن محاربة كورونا بال”كلوروكين” – فيديو    مبادرة تطوعية بالحسيمة لصنع أقنعة واقية لفائدة الاطر الصحية    جماعة في إقليم الحسيمة تتبرّع لصندوق "كورونا"    الرميد يكتب.. فعلها جلالة الملك فهل نفعلها جميعا؟    وَمَضَاتٌ مِن الهَدْيِ النَّبَوِيِّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الشَّدَائِدِ    "كورونا" يسبب أكبر أزمة اقتصادية منذ سنة 1929    زيدان يدعم جهود مكافحة كورونا في الجزائر    “كورونا” بين أزمتي 1929 و2007        الوداد يضع مركز “ويلنس” رهن إشارة السلطات باستضافة مرضى كورونا    انخراط مجلس جهة بني ملال خنيفرة بتنسيق مع السلطات الولائية في جهود محاربة كورونا    عناصر الأمن بأبي الجعد تضطر لاستخدام أسلحتها الوظيفية لتوقيف شخص حاول قتل شرطي بطريقة وحشية    نيويورك تايمز: 150 من أفراد العائلة المالكة في السعودية مصابة بكورونا والملك سلمان يعزل نفسه في جزيرة    للمرة الثانية.. إسبانيا تمدّد حالة الطوارئ لمواجهة “كورونا”    البارصا يضم "رودريغيز" نجم سوسيداد الواعد    اليوبي: "عدد المخالطين في المغرب بلغ 8664 شخصا اكتشفنا من بينهم 504 حالة مؤكدة من أصل 1374 حالة مسجلة"    يونس عبد الحميد يتصدر قائمة أفضل 10 مدافعين بفرنسا    إسبانيا تنفي إقدامها على مصادرة أدوية كانت موجهة إلى المغرب    ماهي المحلات الحبسية المستفيدة من الإعفاء من واجبات الكراء بسبب كورونا ؟    الاتحاد العام لمقاولات المغرب ومؤسسة التمويل الدولية يوحدان جهودهما    “بقا في دارك “عمل توعوي جديد للفنان محمد ياسين    بلقيس فتحي: كنت سأشارك في “موازين” لكن كورونا حالت دون ذلك    مساهمات إضافية في الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا    ستفرج بإذن الله تعالى    إسبانيا تنفي مصادرة أدوية كانت موجهة إلى المغرب    العمال المغاربة بإسبانيا يطالبون بتسوية وضعيتهم القانونية لإنقاذ الموسم الفلاحي    محمد رقوب: لم يعد من الممكن للمغاربة ارسال جثمان المتوفين بفرنسا نحو بلدهم الاصلي بعد إغلاق المجال الجوي    جرعة أوكسجين قوية من البنك الأوروبي للمقاولات المغربية تفوق 440 مليون يورو تمويلات فورية ستوفر سيولة نقدية هامة للقطاع الخاص من أجل مواصلة نشاطه    واشنطن تعترض على تعيين رمطان لعمامرة مبعوثا أمميا إلى ليبيا    موقع إسباني يكشف عن تعاليم الرسول عليه الصلاة والسلام في مواجهة الأوبئة    ليلة الحضرة الكناوية    العربية حكم ذهبية في زمن الكورونا    تخفيض رواتب لاعبي الريال    الإيمان والصحة النفسية في زمن كورونا    إيطاليا.. فيلم رعب بمشاهد حقيقية    لاتحص خيباتك ولا تعدد هزائمك    نعمان لحلو: نحن تطبعنا مع اللهو والتسلية حتى ظننا أن هذا هو الفن، أتمنى أن يكون» زمن كورونا» فرصة لكي يرجع الفنان لدوره الأساسي    أيها المنفي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





بمناسبة الذكرى 56 لتأسيس الحركة الاتحادية:من حزب الاستقلال إلى حركة 25 يناير: مسار مخاضات أولى سنوات مغرب الاستقلال

ارتبط يوم 25 يناير 1959 بتاريخ نشأة الحركة الاتحادية كحركة سياسية جديدة عرفها المشهد السياسي خلال أولى سنوات استقلال المغرب،وهذا التأسيس لم يكن مفاجئا بل كان نتيجة حتمية للنقاش السياسي والخلاف الذي عرفه حزب الاستقلال ،على مستوى أجهزته وقواعده الحزبية حول كيفية تقييم مرحلة النضال من أجل الاستقلال ،وتحديد الأولويات،والأهداف للمجتمع الجديد بعد الاستقلال، وطريقة تدبير المرحلة الجديدة سياسيا، خاصة فيما يرتبط بالعلاقة مع المؤسسة الملكية، والأحزاب الأخرى التي كانت تؤثث الحقل الحزبي آنذاك. وتكمن أهمية هذا التاريخ في كونه يعتبر محطة أساسية أرخت لبداية ظاهرة الانشقاق الحزبي في مغرب الاستقلال ، لذا فإن النبش في هذه المرحلة التاريخية المتشعبة والغامضة، لا يمكن أن يكون إلا بتتبع الأحداث التاريخية التي ساهمت في فرز الصراع الذي كان يعرفه المغرب آنذاك سياسيا وحزبيا. ومن هنا يمكننا اعتبار الفترة الحرجة الممتدة من 2 دجنبر 1955 أي تاريخ انعقاد المؤتمر الاستثنائي لحزب الاستقلال، إلى 25 يناير 1959 تاريخ الاعلان عن الحركة السياسية الجديدة ، زمن تعارض الرؤى والمواقف ما بين أجنحة حزب الاستقلال ، وتبلور النواة الأولى للحركة الاتحادية .
كان حزب الاستقلال خلال أولى سنوات استقلال المغرب يشكل القوة السياسية الأولى في البلاد نظرا للدور الذي لعبه في النضال ضد الاستعمار، والشعبية التي كان يتمتع بها داخل فئات عريضة من المجتمع المغربي والتي جعلته حزبا جماهيريا .هذه المكانة حتمت على الملك محمد الخامس دعوة الحزب للمشاركة في الحكومة الإئتلافية التي ترأسها امبارك البكاي، وهو ما دفع الحزب إلى عقد مؤتمره الاستثنائي في الفترة ما بين 2 إلى 5 دجنبر 1955 بالرباط وقد أشر هذا المؤتمر على بداية الخلافات داخل الحزب حيث لم تحضره العديد من الشخصيات الاستقلالية البارزة خاصة علال الفاسي، ومحمد اليزيدي الذين كان لهم موقف من قبول الحزب المشاركة في حكومة لا يرأسها أحد قادته. ورغم القرارات التي اتخذها المؤتمر والإجماع الذي برز واضحا من خلالها، فإن المؤتمر الإستثنائي أظهر بشكل جلي الخلافات التي كانت بين أعضاء اللجنة التنفيذية، الشيء الذي جعل المهتمين بالحزب يعتبرون المؤتمر والخلاف حوله من أولى بوادر ظهورالخلافات الحزبية العميقة داخل حزب الإستقلال ، والذي يؤكد هذا الطرح هو التصريحات التي صدرت عن أعضاء في القيادة الحزبية بعد حصول الحزب على تسعة حقائب وزارية، حيث كانت متباينة وأحيانا متناقضة ومتنافية خاصة منها تصريحات علال الفاسي التي كانت تتصف بالمعارضة للضغط تارة على الفرنسيين، وتارة أخرى على اللجنة التنفيذية نفسها ، الشيء الذي كان يبعث البلبلة في صفوف الحزب وقواعده.
بعد تشكيل هذه الحكومة ظهرت الخلافات والتناقضات بين الوزراء الاستقلاليين وامبارك البكاي مما دفع الحزب ومنظماته الموازية خاصة الشبيبة الاستقلالية ، وحركة المقاومة وجيش التحرير، والاتحاد المغربي للشغل إلى رفع مطلب الحكومة المنسجمة أي الحكومة التي يرأسها أحد قادة الحزب ويكون أعضاءها كلهم أو جلهم منه، وهو القرار الذي خرجت به المجالس الوطنية للحزب و منظماته والتي عقدت في الفترة مابين 16 و20 غشت 1956. لكن رغم تشبت حزب الاستقلال بمطلبه فإن حدث اختطاف الفرنسيين للطائرة التي كانت تحمل الزعماء الخمسة للثورة الجزائرية يوم 22 أكتوبر 1956 وما عرفه المغرب آنذاك من تطورات سريعة للأحداث السياسية خاصة على مستوى العلاقات المغربية الفرنسية حتم على الحزب المشاركة في الحكومة الثانية التي ترأسها مرة أخرى امبارك البكاي .
بمرور الوقت بدأ يتشكل في المغرب مشهد سياسي معارض للحكومة فإذا كانت الظروف قد اقتضت أن يتم التعبير عن الإستياء منها بواسطة عصيان تافيلالت وتمرد عدي وبيهي على الحكومة، ففي 1958 تغيرت أشكال المواجهة مع الحكومة وميدان المبارزة معها، وبدأ التنديد بها واعتبارها حكومة ديكتاتورية تخنق الأحزاب المعارضة ، حيث بدأ يلاحظ وجود نشاط ملحوظ للأحزاب السياسية المعارضة لحزب الإستقلال ففي أبريل 1958 ستتأسس الجبهة الديمقراطية (كتلة الدفاع عن الحريات الديمقراطية) وتتألف من الحركة الشعبية، حزب الشورى والإستقلال، حزب الوحدة والإستقلال، وهيئة الأحرار المستقلين. وفي يوم 15 أبريل 1958 استقبل رئيس الحكومة امبارك البكاي وفدا من هذه الأحزاب يضم محمد بلحسن الوزاني وعبد الهادي بوطالب عن حزب الشورى، ومحمد المكي الناصري عن حزب الوحدة، والمحجوبي أحرضان والدكتور الخطيب عن الحركة الشعبية، وعضوين في الحكومة هما محمد رشيد ملين وأحمد رضا أكديرة عن هيئة الأحرار، وقد قدم له الوفد عريضة تنتقد حزب الإستقلال و ذكر بلاغ صادر عن رئاسة الوزارة أن الرئيس البكاي يوافق على مضمون العريضة ، ولهذا قدم الوزراء الإستقلاليون التسعة استقالتهم من الحكومة احتجاجا على ذلك ووقع على رسالة الإستقالة التي قدمها عمر بن عبد الجليل إلى محمد الخامس كلا من أحمد بلا فريج، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الكريم بن جلون، عبد الله إبراهيم، محمد الدويري، عمر بن عبد الجليل، أحمد اليزيدي، إدريس المحمدي، محمد الفاسي. وفي يوم 16 أبريل 1958 قدم امبارك البكاي استقالة حكومته لمحمد الخامس وكرد على ما حدث يومي 15/16 أبريل اجتمعت اللجنة السياسية لحزب الإستقلال أيام 17- 19 من نفس الشهر حيث أصدرت بيانا ذكرت فيه أسباب الإستقالة واستعداد الحزب لتولي مسؤولية قيادة حكومة جديدة لكن بشروط حددتها كالآتي : تمتين الإستقلال، إجلاء القوات الفرنسية، تقوية العلاقة مع دول المغرب العربي، إقامة مؤسسات ديمقراطية، حكومة منسجمة، الضمانات الدائمة للحريات العمومية، تحديد برنامج للإنتخابات البلدية، إقامة ملكية دستورية .
كان هذا هو الإتجاه السائد داخل الحزب والذي ظهر بشكل أكثر قوة أثناء المشاورات التي كان يقوم بها الملك محمد الخامس مع أعضاء المجلس الإستشاري، حيث طالبت الأغلبية الإستقلالية داخله بحكومة قوية ومنسجمة تمكنهم من تطبيق برنامج يحدده المجلس. وبعد مرور شهر من المشاورات تم في يوم 12 ماي 1958 تنصيب حكومة جديدة برئاسة الأمين العام لحزب الإستقلال أحمد بلافريج حيث كانت تضم ثمانية وزراء استقلاليين لكن هذه الحكومة وتركيبتها السياسية خاصة الأسماء التي تم اختيارها كوزراء جعلت المتتبعين يطرحون سؤالين جوهريين: هل هي حكومة استقلالية؟ وهل هي حكومة ترضى عنها كل الأطراف الإستقلالية؟، ولم يكن طرح هذين السؤالين اعتباطيا بل إن ردود الفعل التي خلفها تشكيل حكومة بلافريج هي التي جعلت الناس يتساءلون ويشكون في مسألة وجود إجماع داخلي حزبي حول الحكومة. هكذا ساهمت الطريقة التي تم بها تشكيل هذه الحكومة في إظهار شيء مهم للرأي العام المغربي وهو وجود تصدع خطير وتيارات سياسية مختلفة المواقف والآراء السياسية داخل الحزب. اعتبر قيام حكومة بلافريج بداية لظهور معارضة جديدة وهذه المرة داخل الحزب نفسه ، حيث كان يغذيها الإتحاد المغربي للشغل بزعامة المحجوب بن الصديق ، وحركة المقاومة وجيش التحرير بزعامة الفقيه البصري ، بالإضافة إلى عبد الله إبراهيم وإدريس المحمدي اللذين لم يشاركا في الحكومة التي شكلها الأمين العام للحزب، و المهدي بن بركة، وبدا منذ البداية أن صلب الخلاف داخل الحزب يرجع إلى نقطتين:
- النقطة الأولى: هي تباين مواقف التيارات المتساكنة داخل الحزب بشأن موقع وزير الداخلية ومن يحق له أن يحتله.
- النقطة الثانية : الخلاف بين الأطراف الإستقلالية حول الأسماء التي تم اختيارها كوزراء في الحكومة، حيث اعتبرت التيارات المعارضة لبلافريج أن هذه الأسماء تمثل الجناح المحافظ للحزب وأنها حكومة القصر، بدليل عدم وجود أي شخصية تمثل الجناح النقابي و ناح المقاومة، واعتبروا وجود عبد الرحيم بوعبيد فيها يرجع إلى كونه ممسكا بملف الإقتصاد والمفاوضات في شأنه مع فرنسا .
طوال صيف 1958 كانت اجتماعات اللجنة السياسية التي تجمع مختلف تيارات الحزب تتوالى رغبة منها في إيجاد صيغة للتعايش داخل حزب الإستقلال لكنه دون فائدة، وقد بلغ الغضب بممثلي النقابة والمقاومة أن قاطعوا اللجنة السياسية فأصبحت هذه اللجنة مشلولة ، و لهذا شن الإتحاد المغربي للشغل سلسلة إضرابات بالمدن المغربية استهدفت حكومة بلافريج . احتد الصراع في نهاية غشت 1958 داخل الحزب عندما فتح المهدي بن بركة صفحات جريدة الإستقلال للذين كانوا ينتقدون حكومة أحمد بلافريج خاصة عبد الله إبراهيم كما أتاح المهدي الفرصة لهيئة المقاومة بأن تنشر وجهة نظرها بشأن تاريخ ميلاد المقاومة وعلاقتها بالحزب و ذلك بأن ترجم فصول كتيب صدر عن جمعية المقاومة و التحرير بمناسبة يوم 20 غشت ونشرها في نفس الأسبوعية الفرنسية التي كان هو مديرها السياسي ، و لما تدخلت اللجنة التنفيذية لمنع الترجمة قدم المهدي استقالته من إدارة الجريدة. حاولت العديد من الشخصيات الإستقلالية حل مشاكل الحزب الداخلية المتعلقة بانقسام أجنحته حول حكومة بلافريج ، و لهذا ففي ليلة 5 شتنبر 1958 صدر بلاغ عن مركز حزب الإستقلال جاء فيه أن علال الفاسي و الأمين العام للحزب و رئيس الحكومة أحمد بلافريج و عمر بن عبد الجليل و عبد الرحيم بوعبيد ، قد اجتمعوا بأعضاء من اللجنة السياسية للحزب : عبد الله إبراهيم، محمد البصري والمحجوب بن الصديق، وأسفر الإجتماع عن إتفاق بين كل هذه الأطراف على استدعاء مؤتمر عام للحزب يعقد بمناسبة الذكرى 15 لتأسيس حزب الإستقلال و لهذا تقرر تكوين لجنة تحضيرية مؤلفة من أربع أعضاء يمثلون الإتجاهات الرئيسية داخل الحزب ، و هم : محمد منصور عن المقاومة، محمد عبد الرزاق عن الإتحاد المغربي للشغل، و محمد بناني وقاسم الزهيري عن اللجنة التنفيذية . وتفعيلا لما اتفق عليه و في إطار محاولات إنقاذ الوحدة الحزبية ، عقد اجتماع لكتاب فروع حزب الإستقلال بقاعة الغرفة التجارية بالرباط استعدادا للمؤتمر الوطني الذي تقرر عقده يوم 11 يناير 1959 ، و ترأس هذا الإجتماع الذي غاب عنه كل من علال الفاسي و المهدي بن بركة رئيس الحكومة والأمين العام أحمد بلافريج ، و حضره محمد اليزيدي و عبد الرحيم بوعبيد ، لكن كل هذه المحاولات فشلت ، خاصة عمل اللجنة التحضيرية التي لم تنجح في مهمتها بسبب الضغوط التي مورست عليها من طرف اللجنة التنفيذية ، من أجل عدم إخضاع أكثر من مائة شخص ممن يدعونهم أصحاب الضغوط بالعمد الرئيسية للحزب ، لقاعدة الإنتخاب من فروع ومنظمات الحزب . و كان العمداء بنظر أصحاب الضغوط هم ( أعضاء اللجنة السياسية بالإضافة إلى أعضاء اللجنة التنفيذية ، و موقعوا وثيقة الإستقلال 1944 ، ومفتشو الحزب...) . هكذا فشلت آخر محاولة لحل أزمة الحزب الداخلية وأثناء هذه الأزمة التي كان حزب الإستقلال يعيشها من داخله ، كانت هناك أزمة أخرى وطنية هذه المرة انطلقت مجموعة من القلاقل و الإضطرابات يوم الخميس 2 أكتوبر 1958 بمدينة أجدير قرب الحسيمة ، لما قام عبد الكريم الخطيب و المحجوبي أحرضان و بعض أنصارهما بتحويل جثمان عباس المسعدي الذي كان قد اغتيل في صيف 1956 ، إلى قبر تذكاري في جبال جزناية فألقي القبض عليهما مما أشعل شرارة التمردات ، وظهرت جماعات مسلحة قاد ابن الميلودي إحداها قرب والماس ، و موحا أوحمو و جماعات أخرى في منطقة تاهلا ، فأرسل الجيش الملكي لتطويق تمرده حيث اعتقل يوم 24 أكتوبر، كما استمرت التمردات في الريف ، وانفجرت قنبلة في الخميسات أثناء احتفالات عيد العرش و دخلت بعض قبائل الريف في عصيان ضد السلطة الوطنية ، وقد كان هدف كل هذه القلاقل هو النيل من حزب الإستقلال من خلال إسقاط حكومة أحمد بلافريج .
هذه الأوضاع الخطيرة التي كانت تواجهها الحكومة والوحدة الوطنية دفعت عبد الرحيم بوعبيد باتفاق مع المهدي بن بركة إلى تقديم استقالته من الحكومة يوم 22 نونبر 1958، في شكل رسالة تمت قراءتها على أمواج الأثير بعد الإحتفالات بعيد العرش، حيث شرح فيها أسباب استقالته و ظروفها. وقد عجلت استقالة عبد الرحيم بوعبيد في سقوط حكومة أحمد بلافريج، وهذا ما جعله يقدم يوم 25 نونبر 1958 على تقديم استقالة حكومته. أدت استقالة بوعبيد وبلافريج إلى دخول المغرب في أزمة وزارية طالت أكثر من شهر من 22 نونبر تاريخ استقالة بوعبيد إلى 24 دجنبر تاريخ تنصيب حكومة عبد الله إبراهيم ، وقد استغرقت الأزمة كل هذا الزمن نظرا للصعوبات التي واجهها البحث عن حكومة جديدة أو إجراء تعديل وزاري . وهكذا خلقت هذه الأزمة الوزارية أجواء سياسية جديدة بالمغرب ، وعمقت الشعور بالحاجة إلى حكومة قوية لمواجهة الحالة الخطيرة بالبلاد . بعد فشل مشروع حكومة علال الفاسي وحكومة إدريس المحمدي تم التعجيل بتشكيل حكومة يرأسها عبد الله إبراهيم يوم الأربعاء 24 دجنبر 1958 ، التي ضمت شخصيات استقلالية من الجناح الذي ينتمي إليه (عبد الرحيم بوعبيد ، التهامي عمار، المعطي بوعبيد...) وأخرى محايدة أو محسوبة على القصر .
كانت مسألة وصول الحزب وأزمته إلى الباب المسدود هي النتيجة التي خرج بها حفل إحياء الذكرى الخامسة عشرة لتقديم وثيقة الإستقلال ، ففي يوم 11 يناير 1959 ترأس علال الفاسي هذا الحفل بالرباط حيث قام بمبادرة استدعاء رئيس الحكومة إلى مركز الحزب للمشاركة في مهرجان خطابي احتفالا بذكرى ميلاد الحزب ، إلا أن عبد الله إبراهيم لم يحضر إلى باب الأحد . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل قامت مجموعة من الشباب تقاطع علال الفاسي متساءلة: "المؤتمر؟ المؤتمر؟"، ولم تكن المطالبة بعقد المؤتمر منطلقة من فراغ بل إن عقده كان فرصة لإنقاذ الحزب ووحدته ، ذلك أن عدم إجتماع الإستقلاليين على هذا المستوى الوطني دليل على ضياع آخر فرصة، وفعلا فإن إنعدام إنعقاد المؤتمر في الموعد المقرر له منذ 4 أشهر زاد من قلق الناس ، ذلك أن البلاغين المنشورين في ذلك اليوم: الأول باسم محمد منصور و محمد عبد الرزاق، والثاني باسم قاسم الزهيري و محمد بناني وهؤلاء الأربعة من أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر، يدلان على مدى اتساع الهوة بين شقي الحزب و مدى استحالة الإلتقاء والإتفاق . أدرك التيار اليساري في حزب الإستقلال أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار حاسم للخروج من الباب المسدود ، فالإتحاد المغربي للشغل وهو القوة الضاربة لليسار و الأكثر تنظيما و تماسكا يلح على ضرورة تأسيس حزب جديد لليسار لا علاقة له بحزب الإستقلال ، و كان المحجوب بن الصديق يلح على ضرورة تأسيس حزب عمالي ، أما حركة المقاومة ذات الرصيد السياسي و المعنوي فكانت تميل إلى موقف النقابة أكثر من أي موقف آخر ، لكن المهدي بن بركة لم يكن يحبذ هذا التوجه و نقله إلى عبد الرحيم بوعبيد الذي اقترح عليه القيام بانتفاضة داخل حزب الإستقلال بدلا من الإنفصال أي التسرع بإعلان تأسيس حزب جديد . استحسن المهدي بن بركة الفكرة ودافع عنها وطرحها كحل سياسي وأقنع من خلالها الجناح النقابي والمقاومة ، مما فرض عليهم الخضوع للقرار واعتباره حلا سياسيا لإعادة الدينامية إلى فروع الحزب، وجعل المناضلين في القاعدة يشاركون في صنع الحدث وتم تحديد يوم 25 يناير 1959 موعدا لإعلان الإنتفاضة داخل حزب الإستقلال ، و قد كان خطاب هذه المرحلة يعكس هذا التوجه و من مؤشراته المحاضرة التي ألقاها المهدي بن بركة في مدينة تطوان بتاريخ 31 يوليوز 1958 تحت عنوان : "نحو بناء مجتمع جديد" والتي تؤكد و بقوة وجهة نظر المهدي التي كان يؤمن بها وهي: أن الإنقلاب يجب أن يحصل داخل حزب الإستقلال و ليس خارجه وأن الأداة المطلوبة هي حزب الإستقلال نفسه بعد أن يتجدد وقد عبر المهدي بن بركة عن ذلك بقوله : "....و أعتقد بأن الأداة الجديدة يمكن أن تكون هي نفس أداة الأمس و لكن مع تغيير وسائل العمل لأن المعركة اليوم غير معركة الأمس فلقد خضنا بالأمس معركة من أجل الإستقلال و يجب أن نخوض اليوم معركة سلمية من أجل بناء مجتمع جديد ولكن تلك الأداة التي كانت صالحة بالأمس للحرب يجب أن تتحول لتصبح اليوم صالحة لوقت السلم و لذلك فإن هذه الأداة لن تكون صالحة إلا بعد إحداث تحوير فيها (...) وهذا الدافع يجعلنا نشعر بضرورة إحداث انقلاب داخل حزبنا يجعله قادرا على القيام بمهمته الجديدة فينبغي أن يتكون لدى جميع العاملين الشعور بالحاجة إلى الإنقلاب داخل الحزب لأن هذا الشعور سيجعلنا ندرك بأننا في طريق تحقيق هذا الإنقلاب فالواجب علينا أن نعمل لتكوين الأداة الجديدة (...) وهذه الأداة هي حزب الإستقلال بعدما يتجدد في تفكيره و أسلوبه وبرامجه..." .
قبل حلول موعد حدث 25 يناير بعث المهدي بن بركة مذكرة إلى الفروع و الأقاليم يشرح فيها جدول الأعمال المحدد لتجمعات 25 يناير و شرح الهدف من هذه التجمعات : تأسيس هيئات مستقلة عن اللجنة التنفيذية للحزب في إطار قانون الحريات العامة : "يجب أن يبدأ الإجتماع بكلمة توجيهية حول أزمة الحزب والفراغ الموجود في توجيه الفروع و تجنيد الوطنيين لمعركة بناء الإستقلال و فشل محاولات سد الفراغ مؤقتا باللجنة السياسية للحزب التي انحلت في ماي 1958 ثم المؤتمر الذي لم ينعقد في الموعد المحدد بسبب العراقيل المعروفة و نتائج الفراغ الظاهر في سلوك جل المفتشين الذين يعملون على تضليل الوطنيين تبعا لمصالح خاصة..." . و يضيف المهدي بن بركة : " أصبح على أعضاء الحزب في الأقاليم إثبات وجودهم ليعلنوا مواقفهم من هذا الوضع لكي يستطيعوا فيما بعد إنقاذ الحزب بصفة منظمة و إعطاء الوطنيين في مختلف أنحاء البلاد إمكانية اختيار قيادة متبصرة حازمة مقتدرة...و إعلان انفصال الناحية عن اللجنة التنفيذية الحالية و الإدارة المركزية التي أخلت بواجباتها وذلك في مقرر متزن مبني على حجج الكلمة التوجيهية ويصوت على هذا المقرر الاجتماع العام..." .
هكذا ففي يوم 25 يناير1959 ، عقدت في مختلف المدن و الأقاليم المغربية مؤتمرات جهوية استثنائية لحزب الاستقلال أعلنت خلالها بعض القواعد الحزبية عن سحب الثقة من اللجنة التنفيذية و استقلالها عنها ثم قامت بتأسيس لجان جهوية للإشراف على ضمان سير الحزب و إعادة بعث الحركة في صفوفه ، أطلقت عليها اسم الجامعات المستقلة لحزب الاستقلال وأعطتها صفة فيدراليات مستقلة عن الحزب و كان هذا هو الشكل الذي انطلق به تنظيميا الجناح اليساري لحزب الإستقلال ، قبل أن يلتقي في الدار البيضاء ليعلن عن ميلاد الجامعات المتحدة لحزب الإستقلال ، وهو الإسم المؤقت لحزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيعقد مؤتمره التأسيسي في 6 شتنبر 1959. .
كان المهدي بن بركة هو المحرك الأول لحركة 25 يناير فقد أعلن صباح نفس اليوم عن تقديم استقالته من اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ، و تناقلت محطات الإذاعة و وكالات الأخبار نبأ هذه الاستقالة على نطاق واسع ، كما ترأس المهدي المؤتمر الجهوي بالرباط في نفس اليوم بقاعة الغرفة التجارية التي كانت غاصة بأطر الحركة الجديدة الممثلة لمختلف فروع الإقليم ، وفي العشية ترأس مؤتمرا جهويا بالدار البيضاء رفقة محمد البصري بقصر المعارض ، وفي طنجة وفاس ومكناس ومراكش و الجديدة و آسفي و أكادير ، انعقدت مؤتمرات جهوية مماثلة للإعلان عن قرار الانفصال عن قيادة حزب الاستقلال وقد ترأس مؤتمر طنجة عبد الرحمان اليوسفي، ومكناس المحجوب بن الصديق . أما أهداف الحركة فقد حددها المهدي بن بركة كالتالي :
* بناء استقلال البلاد وتمتين وحدتها.
* تأسيس دستور ديمقراطي و حكومة شعبية.
* تربية الأمة تربية سياسية ديمقراطية.
* تكوين نهضة اقتصادية تضمن السير لسائر أفراد الأمة.
* توجيه تطوير البلاد الاجتماعي و الثقافي نحو حضارة وطنية عربية إسلامية".
شكل يوم 25 يناير 1959 إعلانا عن ظهور حركة سياسية جديدة تحولت فيما بعد إلى حزب جديد في المشهد السياسي لمغرب الاستقلال وهو حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية ، و بداية لمرحلة جديدة في الحياة السياسية المغربية ستكون بصمة الحزب عليها واضحة و حاسمة ، سواء من خلال النقاش السياسي الذي كان مطروحا آنذاك ، أو من خلال التطورات التي سيعرفها هذا الحزب على مستوى العلاقة بين أجنحته السياسية و النقابية و المقاومة ، و أيضا على مستوى علاقته بالنظام الملكي و باقي الأحزاب الأخرى المكونة للحقل السياسي المغربي .
(*) باحث في التاريخ الراهن: جامعة محمد الخامس - أكدال.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.