من شاهد وقفة أمس للمحاميات والمحامين يشعر أنه أمام فعل وجودي أكثر من رد فعل نقابي أو سوسيو مطلبي. ليس للصحافي تقليد كبير بأن يدافع عن المحامية والمحامي، تاريخيا كانا يرافعان لحماية حريته واستقلاليته وبقائه. وهما الآن يرافعان من أجل وجودهما ويشحذان الحيثيات، وينقلان المرافعات، ويجتهدان في التعليل والمنطق من أجل أن يظلا سندا. لهذا لن أتحدث عن عيوب القانون، ولا عن اختلال التوزان الدستوري فيه، ولا عن عيوبه في «تأميم» المهنة لفائدة الجهاز التنفيذي، ولا عن التدبير الذاتي.. أبدا، أتأمل فقط هذه الفجوة بين الزميل والوزير في الشخص نفسه. رفع الشعارات واللافتات بالمكتوب والمسموع من الأصوات، لم يكن تعبيرا عن مطالب جديدة بل تحصينا للمكتسبات . بل قل إن الأساتذة في الدفاع كانوا يردون على «مطالب» الوزارة منهم بالرفض… هل كل المحامين والمحاميات على خطأ؟ هل يكون الوزير سقراط المهنة الجديد ؟ هل يجرؤ على شرب السم كما يعد نفسه ويعد مستمعيه؟ فات وقت الانتحار السياسي حتى … ومن هنا نستخلص أن السؤال ليس هو: هل يفهم الوزير معنى القانون الذي جاء به، بل السؤال: هل يعرف معنى المهنة نفسها؟ سؤال مشروع، وليس فيه أي تحقير، إنه نقل الإشكالية من برودة المساطر إلى الحرارة الوجودية للدفاع. المحامون صرخوا، وهو أقرب إليهم من حبل «الوزير». كمن يتهدده الزوال.. أو كمن تتوعده المتاهة والهاوية… والمهنة ترفض القانون، بل ترفض إعدامها، وهو أدرى بها من أي صحافي «متطفل… » لقد نقل الاحتجاجُ وزارةَ العدل من واقع التدبير المؤسساتي للمهنة إلى موقع المتهم الذي سيشنقها ويصلبها… ولعل أقسى شيء يزيد من حدة الألم هو تهمة سوء استعمال المال الجاري في المحاكم… المال هنا أمام سرديتين: سردية الوزارة التي تحوله إلى صك اتهام، وسردية المحامي الذي يعتبر المهنة قد حصنت نفسها وموكله وهو نفسه من قبل… المحامون يقولون إنهم حسموا الموضوع منذ 2008 بحيث يتولى النقيب توزيع الأتعاب بينهم وبين الموكلين، لكن الوزير يزيد من أزمة الثقة بينه وبين زملائه، وبين المهنة وأهلها، ويرمي بظلال الشك على الغصن الذي يجلس فوقه… هل ينوي ممارسة المهنة بعد مغادرة الوزارة؟ سؤال ليس فيه من الاستنكار سوى ترتيب النتائج المنطقية على ما يقوم به …ضدها. كلام الوزير موجب للمحاكمة، فهو في عداد السب والقذف… ترى، هل سيجد محاميا للدفاع عنه لو حصل الأمر؟ لا أحد يعتقد بذلك… لم يقف أحد ببذلته للدفاع الصريح عن المشروع. هل غادر المحامون من متردم أم هل عرفت المهنة بعد توهم… الوزير نفسه رفضت له المحكمة الدستورية بعض فصول المسطرة المدنية، ولم يدرك بأن الأمن القضائي أساس الملك، وأن للمهنة قواعدها وفلسفتها تمتحها من وجودها منذ أيام الحسن الثاني وظهير 1993، وتجددت مع رسالة الملك محمد السادس إلى المؤتمر التاسع لاتحاد المحامين العرب بطنجة (يوليوز 2000). في ثوابت المحاماة المستمدة من الوثيقتين: المحامي من أسرة القضاء والمحامي مستقل عن وزارة العدل… مشروع وهبي يريد أن يظل سيد المهنة من الامتحانات إلى التداريب إلى السماسرة إلى الأتعاب .. وإلى اللحد المؤسساتي. أما الامتحانات فلا يمكن أن تكون من اختصاص وزارة العدل لأن الوزير لم يعط النموذج. هل تذكرون «اباه عندو لفلوس، قراه في كندا».. قالها في بلاد يعتز فيها الملوك أنهم درسوا أبناءهم في المدرسة الوطنية العمومية… يبدو الخلاف أكبر من خلاف على مواد قانونية بل على قانون القوة الحكومية في تعريف مستجد للمهنة والوظيفة… إنه انقسام حاد بين محامي وزير ومحامي محامي. انقسام أخرج المحاميات والمحامين إلى الشارع، حيث لم يُخلقوا ليوجدوا فيه، وغيّر من وظيفتهم حتى أنهم جاؤوا لمحاكمة الزميل الوزير في «قانونه». كم هو صعب هذا الضمير المتصل ...(ه ) !