الفلسطينيون في الخطاب الغربي ما يمكن ملاحظته هو الخطاب العدائي الرسمي للولايات المتحدةالأمريكية من خلال عرقلة كل ما يتصل بالعروض المسرحية لفرقة الحكواتي الفلسطينية في مسارح نيويورك، وقدح كل ما هو فلسطيني وتمثيل الفلسطينيين كورثة للنازية، وأعداء للسامية، ثم يُردَفُ ذلك بالخطاب الإسرائيلي التأليبي عليهم على منظمة التحرير بوصفها بالمنظَّمة الإرهابية. وربما تُستَعمَل صفة الإرهاب دوما كمشجبٍ تُعلَّق عليه كافة الحركات المُعارضة للحق الفلسطيني. يعتبر إدوارد سعيد أنَّ الحركة الوطنية الفلسطينية وحدها من بين حركات التحرر الوطني التي عانت من القمع والتشهير. يرى أنْ لا وجود لتناسب بين شعب مظلوم ومقهور وبين دولة إسرائيل. صار الشعب الفلسطيني ضحية الضحية، أيْ ضحية إسرائيل باعتبارها الضحية الأولى للنازية. ومن الجبن والعار أنْ لا يجهر المثقفون بقول الحقيقة، وأنْ لا يُجْهِروا بأنَّ الفلسطينيين ليسوا مسؤولين عما وقع لليهود، وليسوا مُطالبين بأنْ يعانوا مما لحق باليهود. لا يجرؤ أغلب الساسة بالجهر بالظلم التاريخي الذي يتعرَّضُ له الفلسطينيون ولكنهم في تصريحاتهم الخاصة وغير الرسمية يعترفون بقسوة الآلة البوليسية والعسكرية الإسرائيلية، وبالغطرسة الصهيونية، وبقضم الأراضي والاستيطان. كيف يمكن القبول بازدواجية المعايير؟ كيف يمكن القبول بوضعِيةٍ كهذه لِشَعْبٍ اغْتُصِبَتْ أرضُهُ، وانتُزِعَتْ سيادته الوطنية، وعُرِّضَ للتَّشتُّت في أنحاء العالم بأسره، وصُيِّرَ ضحية القوانين القمعية الإسرائيلية؟ فلسطين والغرب الليبرالي يميلُ إدوارد سعيد إلى اعتبار إسرائيل صنيعة الإمبريالية وبالتالي ثمرة لنَهجٍ أخلاقي شَفَّ عنه "وعد بلفور"، أيْ وعد يجبر الأضرار التي يُزعَمُ أن اليهود تعرَّضوا لها. الصهيونية تعتبر القضية العربية الفلسطينية منفية أو مُنْكَرَة، وما وَعْدُ "بلفور" سوى تجلٍّ من تجليات الصهيونية، حيث وَقَعَ تحالفٌ تاريخي بين الإمبريالية البريطانية والحركة الصهيونية: "إنَّ الإمبريالية البريطانية والرؤية الصهيونية تلتقيان –رغم كل اختلافاتهما- في تبخيس وطمس العرب في فلسطين باعتبارهم ثانويين ومُهمَلِينَ.( ص 75 من Edward Said la question de Palestine Actes Sud 2010 إخراس السكان الأصليين الفلسطينيين، طمسُ هويتهم كشعب، والسماح لهم بوجود أدنى. ويرى سعيد أنْ لم يُستَشَر اليهود المقيمون في فلسطين قبل 1918-وكانوا أقلِّية- وإنما الذي ساهم في إنشاء دولة إسرائيل هو الحركة الصهيونية العالمية القادمة من الغرب، والتي تُعدُّ صنيعة الإمبريالية البريطانية ثم الإمبريالية الأمريكية تالياً. من مآسي التاريخ، ومن ظلمه وجوره أنْ حُكِمَ على الفلسطينيين بالجحود والإنكار، وبمحاولة محوهم، والحيلولة دون ظهورهم، ودون أنْ يكونوا مرئيين، هذا بالنسبة للمٌقيمين في فلسطين أمّا الوجودين في الشتات فقد تعرَّضوا للتَّحييد والنفي. كل الرهانات مفتوحة على مزيد من الاستيطان، وعلى مزيد من الدعم الغربي، وعلى التحالف الإمبريالي مع الحركة الصهيونية، بحجة أنَّها سليلة الحداثة الغربية رغم وجهها الديني، ونُظِرَ إلى الاستيطان على أنَّهُ حضاري، وإلى العربي الفلسطيني على أنه رجعي ينتمي للقرون الوسطى. ساير الغرب ما تقدمه الصهيونية من سردية في تجميل للاستيطان، وبدتْ صورتها مشرقة لامعة على حسبا صورة العربي الفلسطيني الغامضة والمبهمة في المتخيَّل الغربي. ذلك هو المنظور الغربي الليبرالي لفلسطين. الصهيونية من منظور ضحاياها الصهيونية فكرة أو إيديولوجية وجدتْ طريقها للتحقق مع إنشاء دولة إسرائيل، واعتُبِرَتْ فكرة ثابتة لا تتغير، وغير قابلة للتَّحَوُّل، وكأنَّها بديهية بذاتها، ولكن ما يُلاَحَظ هو أنها نتيجة التاريخ الغربي الإمبريالي الاستعماري ولا أحد يتساءل عن مدى شرعيتها، وعنْ لماذا اكتست كل أسباب القوة في القرن 19. يرى إدوارد سعيد أنَّ الحفر في جينيالوجية مفهوم الصهيونية مهمة صعبة ولكن مطلوبة، بل واجبة لمعرفة حقيقتها الخفية، ومن أهمِّ الشواهدِ عَلَيْهَا ضحاياها وهم الفلسطينيون. إنَّ الأمرَ يستدعي إذن استقصاء الإنكار الذي تواجه به الصهيونية ضحيتها، وفكَّ أسباب التحالف الغربي الأمريكي الليبرالي، والذي يمكن أنْ نرصد علاماته في المؤسسات وجماعات الضغط ممَثَّلاً في الصحافة والإعلام، والنخبة المثقفة، والمُركَّب الصناعي العسكري، والجماعة العلمية، والنقابات. يُسمي إدوارد سعيد هذا التحالف تمَّ بتوافقٍ شبهِ كليٍّ على دعم الصهيونية، وكل هذا المُجَمَّع يُسْهِمُ في الإنكار وفي مراقبة كل ما من شأنه أنْ يجعل الفلسطينيين مرئيين في الفضاء العام الغربي وخاصة الأمريكي. غالبا ما تُقرَنُ معاداة الصهيونية بالعداء للسامية، وهذه فكرة تبسيطية لإخفاء حقيقة الفكرة الصهيونية، وبالتالي ليس كل معارضٍ للصهيونية عدو للسَّامية، إنه أمر أشبه بالفكرة المسبَّقَة أو الكليشي السطحيّ. إن إدوارد سعيد بفضل تكوينه الثقافي التعليمي الغربي يتفهّم حساسية موضوع الصهيونية بالنسبة للرؤية الغربية، ولكنه وفي الطرف المقابل وبما أنه عربي فلسطيني مسيحي بروتستانتي يتفهَّم الحذر العربي من فكرة الصهيونية. وفي كلتا الحالتيْن هو الأقرب إلى حساسية الموضوع وحَرَجِهِ. لقد تشكَّلتْ فكرة راسخة واعتقاد راسخ بأنَّ الشرق شرق، وبأنه مرتعٌ للغرائز والأهواء، وبأنه عاجز عن استيعاب أسباب الحضارة والرُّقيِّ، وبأنه غير قادر على استنبات قيم التمدُّن والعدالة، ويكفي ما قاله هيغل في الاستبداد الشرقي، وماركس في الإقطاع الشرقي، بل وحتى "جون استيوارت ميل" الليبرالي لم يرَ في الشرق ما يفتِّقُ فكرة الحرية. يحلِّلُ إدوارد سعيد رواية "دانييل ديروندا" (Daniel Deronda)للروائية البريطانية الشهيرة "جورج إليوت" ويتخذها نموذَجاً لما ساد المتخيَّل الأوروبي من أحكام إيجابية لجهة الفكرة الصهيونية، وما غذَّى خيالهم عنها من استحسان وتأييد لفكرة أرض الميعاد بعدِّهَا فكرة يهودية ومسيحية تُخلي وتَمحي الأرض من سكانها الأصليين ليس لأنهم غير موجودين ولكن لأنهم غير مؤهلين للسيادة عليها وتُجُوهِلَ الفلسطينيُّ صاحبُ الأرضِ. يُسْتَنْتَج مما سبق أنَّ ثمة تحالف قد تمَّ في القرن التاسع عشر بين التصوُّر اليهودي والمسيحي لأرض الميعاد، وبين الصهيونية كحركة استيطانية والرأسمالية الغربية. وما أهْمِل أو أُسْقِطَ عمداً هو المقيم الأصلي في الأرض، والذي عمَّرَ أرضا وبنى مُدُناً وفلَّحَ تراباً ولم يتركها خلاءً. أهمِلَ وأزيح رمزيا تمهيداً لتصفيته جسديا. يمكن القول أن المشروع الليبرالي الاستعماري الغربي تحالف مع الحركة الصهيونية في أفق القيام بمهمة حضارية في إفريقيا بالنسبة للمشروع الأول، وفي فلسطين بالنسبة للمشروع الثاني. كلاهما مشروع استيطاني استعماري لحيازة واغتصاب الأرض. ما ينساه الصهاينة كحركة استعمارية استيطانية هو أنهم وقعوا ضحايا العداء الأوربي للسامية وفي نفس الوقت صنعوا ضحايا آخرين لا ذنب لهم. "هرتزل" نفسهُ في القرن 19 اعتبر أن السكان الأصليين (ونعنى هنا العرب الفلسطينيين) –رغم علمه بأنهم يمثلون سنة 1880 أكثر من نصف مليون نسمة- يجب انتزاع أرضهم وتهجيرهم، وينصُّ برنامجه على شراء أراضي كبار الملاَّك مما يمهد إقصاءهم من التراب. إنَّ الظاهرة الإمبريالية هي التي مهَّدَت الطريق لنشوء الحركة الاستيطانية الصهيونية. ما نتائج الصهيونية على الضحية، وما منظور الضحية لهذه الحركة؟ كيف يمكن إحصاء وجرد الآثار والنتائج المُدمِّرة للتحالف الإمبريالي الصهيوني على الضحية؟ سَرَتْ إيديولوجية في الغرب الاستعماري أنَّ الأرض لا تعود إلى سكانها الأصليين وإنما إلى الفاتحين الذين يعرفون كيف يرعونها ويخصِّبونها، وكيف يتعهَّدونها خلافا للسكان الأصليين في أمريكا وإفريقيا وآسيا الذين يتركونها بواراً ويباباً وصحاري قاحلة لا نبت فيها ولا درع ولا شجر، لأنهم المٌحتَلِّين أرقى عرقيا منهم. يقول إدوارد سعيد: "إذا كانت الإمبريالية تمثِّلُ النظرية فإنّ الاستعمار يمثِّلُ التطبيق أو الممارسة" (ص 148 la Question de Palestine Ed Sindibad Actes Sud 2010 ) الثالوث -المصير يُنظَرُ إلى العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدةالأمريكية بمثابة علاقة مصيرية تُتيحُ إسناد الأولى اقتصاديا وإيديولوجيا بكيفية شبه عمياء، وبطريقة شوفينية مهما كانت الظروف. ومن ثم محاولة تحويل اسرائيل إلى دولة متفوقة عسكريا على كل جيرانها تحت ذريعة أنها تواجه خطرا وجوديا من قِبَلِ أعدائها العرب المتوحشين والمتعطِّشين للدماء. فهي تواجه أعداء مثل مواجهة أمريكا لأعداء خارجيين يسعون لتدميرها وهذا بواسطة تسويق واستثمار صورة أسطورية مثل داوود في مواجهة غالوت. والحجة التي ما انفكَّت تُسوَّقُ هي اللاسامية وكراهية اليهود. وبين طرفي العلاقة تُسْتَدعَى القضية الفلسطينية باعتبارها محور الصراع بين الغرب الإمبريالي والعسكري وبقية العالم الثالث.