وحكامة زمن الكوارث الطبيعية (الفيضانات الأخيرة نموذجاً) جزء كبير من المهتمين بالشأن المغربي يضعون التجربة التدبيرية المغربية اليوم تحت مجهر البحث والتحليل والقراءة (الاستيقاظ الجيو-استراتيجي، وإنجاز المشاريع الاستراتيجية، وأخيراً التعامل مع الأزمات وخصوصاً الفيضانات الأخيرة)، بغية القيام بعملية التقييم في أفق الحكم على مستوى الذكاء المؤسساتي المغربي، وكذلك مستوى الذكاء التكنوقراطي، وفي الأخير الحكم على مدى قدرة المؤسسات السياسية ومعها النخب المغربية على النجاح في قيادة الثورة التدبيرية المغربية من أجل التموقع الجيد للمغرب داخل جغرافية القرن الواحد والعشرين. كما أن المهتم بالشأن المغربي لا يمكنه أن يغفل إحدى النتائج الواضحة لهذه الثورة التدبيرية المغربية، والمتمثلة في الصعود المتنامي لما يطلق عليه الرأي العام المتفائل والمساند لهذه الثورة التدبيرية في مواجهة الرأي العام المتشائم، بل والأهم من ذلك انتقال هذا الرأي العام المساند للثورة التدبيرية المغربية من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم (رفع الرأي العام المتفائل والمساند للدولة لشعار "ها هي الدولة" من خلال التأكيد على حضورها الإيجابي النوعي، عبر إبراز صور التدخل التدبيري الناجح في مواجهة آثار الفيضانات بالمغرب مؤخراً، في مواجهة الشعار التقليدي الذي يرفعه المعارضون للدولة والمتشائمون عند الأزمات التي تعرفها الدول "أين الدولة؟"). يقول التاريخاني بروديل إن تاريخ الشعوب يتميز بوجود قوى واضحة متفجرة، تتمثل في الانتصارات، والاكتشافات، والثورات والتغييرات الراديكالية الكبرى، ولكن هناك كذلك قوى صامتة بطيئة ولكنها تبصم بعمق مصير الحضارات. ما يميز بالأساس الحضارات في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وعالم ما بعد الحرب الباردة أنها تنجز تغييراتها الكبرى من تحت سقف التغييرات الراديكالية الكبرى وكذلك من داخل مربع القوى الخفية. فيكتور هيغو، الأديب والكاتب والشاعر الفرنسي، سيؤكد أن كل حضارة تتميز بالإبداع في فن معين، فن يؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية للناس، وسيؤكد أن عالم المطبعة عوض عالم المعمار والهندسة. في المغرب، يلاحظ المتتبع أن الثورة التدبيرية الجديدة تبصم بقوة على حضورها في مغرب اليوم. يُفتتح السياسي الفرنسي جون ميشيل بلاكيي كتابه الأخير الصادر في سنة 2025 تحت عنوان "الحضارة الفرنسية" بإحدى الوقائع، حيث يقول إن أحد المارين بالقرب من ورش بناء كاتدرائية شارتر في القرن الثالث عشر أراد أن يعرف المنشأة التي سيتم بناؤها، فسأل أولاً أحد العمال المتعبين: "ماذا تشيدون؟" حيث أجابه: "أنا أكسر الحجر". وعندما توجه بسؤاله إلى العامل الثاني الذي كان فخوراً بعمله، رد عليه: "أنا أقوم بتقطيع الحجر الكبير حتى يتم إدخاله بسهولة في الحائط". وعندما لم يتلق جواباً شافياً، عمد إلى طرح السؤال من جديد على عامل ثالث، والذي كانت عيناه تشعان، فرد عليه هذا الأخير: "إننا نشيد كاتدرائية". جزء كبير من المغاربة اليوم يشعرون أن المغرب الجديد، سواء من خلال المنجزات الاستراتيجية الكبرى أو من خلال تعامله مع الأزمات، يثبت أنه لا يكسر الحجر فقط ولا يقطع الصخور من أجل ترتيبها في الحائط، بل إن المغرب اليوم يبني الكاتدرائية، أي ينجز الهندسيات الكبرى. وبصورة أدق، فإن المغرب اليوم ينجز بهدوء وإصرار الثورة التدبيرية الحديثة، والتي تعتبر المشروع والحلم الكبير للمغرب الجديد. أولاً – الثورة التدبيرية تعتمد بالأساس على فعالية الهندسة المؤسساتية من خلال ثنائية (الفعل الجيد – وجعل الآخر يفعلون بشكل جيد) خصوصاً في مرحلة الأزمات والكوارث الطبيعية في زمن الأزمات تختبر الشعوب والمجتمعات نوعية وفعالية مؤسساتها السياسية وعقلها الاستراتيجي المركزي. وميزة المؤسسات السياسية الاستراتيجية أنها ليس مطلوباً منها فقط أن تفعل بشكل جيد، بل وأن تجعل الآخرين يفعلون بشكل جيد. الدور المهم والأساسي للعقل الاستراتيجي المركزي في مرحلة الأزمات والكوارث يتمثل في الإشراف وتنسيق الفعل العمومي بشكل عام، والعمل بالتالي على تحديد نوع معين من التدخل السياسي وممارسة فعل الإرادة، مع العمل على خلق إمكانات وتحديد مجالات الفعل. الفعل العمومي المغربي الأخير في مواجهة الفيضانات والتدخل المنسق ما بين مجموعة من المؤسسات أثبت للمتابع المهتم بالشأن المغربي أن الثورة التدبيرية (الشرعية المؤسساتية المعتمدة على النتائج – التدبير المعتمد على النتائج) المغربية لم تعد اليوم تعتمد فقط على تصور تدبيري واضح للبلد تحمله المؤسسة المسؤولة عن تدبير استمرارية الدولة، بل إن نجاح التنسيق المؤسساتي كان رسالة قوية كذلك إلى أن النخب المؤسساتية والتكنوقراطية المغربية استوعبت بشكل جيد التصور التدبيري الجديد للعقل المركزي المغربي، وصارت قادرة على نقله إلى المستوى النخبي الثالث المسؤول عن تدبير الواقع المحلي واليومي، على اعتبار أن ذلك يبقى شرطاً أساسياً في إنجاح تنزيل السياسات العمومية. ومن المعروف أنه دون وضوح التصور التدبيري على مستوى القمة، لا يمكن أن ننجح في نقله إلى المستوى التدبيري الثاني، ولا يمكن أن ننجح كذلك في نقله إلى المستوى الأدنى المرتبط بالمحلي واليومي. التنسيق والاستباقية واليقظة كانت إشارات قوية من العقل المركزي المغربي على أن استراتيجية الفعل واستراتيجية جعل الآخرين يفعلون بشكل جيد يتم تطويرها وتحديثها لجعلها قادرة على التعامل مع كافة التحديات التي قد يعرفها المغرب مستقبلاً. الثورة التدبيرية التي يريد العقل الاستراتيجي المغربي ترسيخها من خلال ثلاثية (المداخيل – المخارج – أثر السياسات العمومية) وثنائية (الدولة – المجتمع والمواطن) كانت تعني كذلك الانتقال من المركز إلى الهامش، وكذلك حلول التقنيات التدبيرية الحديثة محل السياسة، مع العمل على تقليص هامش مربع الاختلاف والتناقض لصالح العقلنة التدبيرية الحديثة. ثانياً – الثورة التدبيرية واستراتيجية اليقظة في مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية الحكامة المؤسساتية الجديدة ستنقل مصطلح "الشعب النائم" الذي وظفه جون لوك وجون جاك روسو، واستعملته كذلك الثورة الفرنسية من خلال شعارات الشعب اليقظ في مواجهة المؤسسات النائمة، مما سيدفع مجموعة من المؤسسات السياسية للعمل من أجل تجديد طرق تدبيرها وتحديثها، من خلال العمل على ترسيخ وتنزيل ما يطلق عليه "المؤسسات المستيقظة واليقظة" في مواجهة الأحداث المتوقعة وغير المتوقعة. من خلال تبني مفهوم المؤسسات اليقظة، أرادت المؤسسات السياسية الحديثة ترسيخ نوع جديد من الفعل العمومي يعتمد على التدبير الاستباقي، ويعتمد كذلك على تعزيز وتمتين العلاقة بين الدولة والمجتمع والمواطن. المدرسة التدبيرية الأمريكية، من خلال الكاتب الأمريكي توماس شوارتز، ستؤكد أن هناك طريقتين للمراقبة والحكامة المؤسساتية (فرق الشرطة – نموذج الإنذار). نموذج فرق الشرطة هو نموذج يؤطر تصوراً تقليدياً وكلاسيكياً لحكامة الفعل العمومي الذي يعتمد على تفويض حق التدخل لأعوان متخصصين، وهو نوع من الرقابة مركزية مباشرة ويعتمد على الإرادة القوية. بينما نموذج الإنذار من الكوارث هو نموذج غير ممركز ويعتمد على هندسيات هيكلية متنوعة، ولا يضم فقط المحترفين والمتخصصين. تنزيل اللجن اليقظة إبان الأزمات والكوارث بالمغرب يؤسس لبناء الدولة اليقظة والمنتبهة، التي تحل محل الدولة الليبرالية المرتبطة بالتدبير الكلاسيكي التقليدي المرتبط بمفهوم الدولة الحارسة. اعتماد العقل الرسمي المغربي على التعامل مع أزمة الفيضانات الأخيرة من خلال أساساً لجن اليقظة، بكل ما يعنيه ذلك من استعداد يقظ وتدخل استباقي، كان إعلاناً رسمياً من طرف العقل المركزي المغربي على أن طريق التدبير المعتمد على النتائج هو خيار لا رجعة فيه. وتأكيد كذلك على أن طرق التدبير الحديثة المعتمدة على الفعل الاستباقي في التدبير بشكل عام والتعامل مع الكوارث الطبيعية بشكل خاص، هي التي تمكن من حماية الأرواح البشرية، من خلال تجاوز التدبير الكلاسيكي المعتمد على (الفعل – رد الفعل) واستبداله بالتدبير العمومي الجديد المعتمد على ثنائية (اليقظة والحذر – الفعل الاستباقي). التدبير الكلاسيكي المعتمد على ثنائية (الفعل – رد الفعل) في مواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية خلف الكثير من الضحايا تاريخياً. ويكفي التذكير بتصريح الزعيم اليوناني بيركليس بعد نهاية إحدى المعارك وسقوط الآلاف من الشهداء في سنة 430 قبل الميلاد، حيث قال: "اليوم تفقد الدولة شبابها، وتفقد السنة ربيعها". وهو نفس التصريح الذي سيلقيه كذلك الزعيم الأمريكي لينكولن بعد نهاية الحرب الأهلية الأمريكية سنة 1865 ميلادية (بعد ما يقارب 2300 سنة). التدبير العمومي الجديد من خلال الاستباقية واليقظة والتوقع يساهم بشكل فعال في الحفاظ على الأرواح البشرية، ويعمل على ترسيخ الشعار الجديد: "لنحافظ على أرواح المواطنين، ولنحافظ من خلال ذلك على فصل الربيع". ثالثاً – الثورة التدبيرية الجديدة بالمغرب تعتمد كذلك على صياغة مفهوم جديد لممارسة السلطة الثورة التدبيرية الجديدة تعتمد كذلك على تحديث وتجويد مفهوم ممارسة السلطة من خلال البحث عن شكل جديد من التدبير الحداثي دون استعمال أدوات الإكراه والعنف. وهكذا رسخ العقل الرسمي المغربي من جديد استعمال السلطة وفق المفهوم الحضاري الجديد، وهو المفهوم الذي نَظَّر له في البداية بول فاليري في بداية القرن العشرين عندما قال: "السلطة من خلال المفهوم الجديد تعتمد على قدرتها على فرض الطاعة دون إكراه ودون عنف، استعمال العنف والإكراه يجعل لعبة السلطة تفقد مفهومها الحضاري". أما الكسندر كوجيف فقد ذهب في نفس السياق من خلال التأكيد على أن "مفهوم السلطة الجديد يتميز بالقدرة على التأثير على الآخرين دون أن ينتج هذا التدخل رد فعل مضاد ورافض". الفيلسوفة حنا أرندت ستحدد مفهوم السلطة الجديد باعتبارها العلاقة التي تجمع بين طرفين: طرف يحكم وطرف يمتثل ويخضع، مع العمل على تطوير وتحديث هذه العلاقة من خلال القدرة على جعل الطرفين مقتنعين بعدالة وشرعية هذا التدخل. تحديث وسائل الحكامة الداخلية من خلال الأخذ بعين الاعتبار مصالح واهتمامات وانشغالات وتطلعات وآراء الطرف المطلوب منه الطاعة، فتح الطريق نحو علاقات جديدة بين الدولة والمجتمع بالمغرب، واتضح ذلك جلياً من خلال قدرة الدولة على إخلاء الساكنة وإيواءها دون مشاكل ودون احتجاجات، مما يثبت أن تنزيل الثورة التدبيرية بالمغرب ينجح من خلال تعزيز مربع المشروعية المرتبطة بالنتائج من خلال الثلاثية الذهبية (السلطة – الثقة – المشروعية) ودورها المركزي في بناء الدول الحديثة، كما أكد على ذلك السوسيولوجي الفرنسي بيير روزنفلون في كتابه "المؤسسات غير المرئية". الخلاصة: من المعروف أن المؤسسات الاستراتيجية بشكل عام ترسخ دائماً شيئاً يميزها ويمنحها القوة والإشعاع سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي. والرسالة الأساسية التي يريد العقل الرسمي المغربي اليوم ترسيخها تتمثل في كون الزمن المغربي اليوم هو زمن الثورة التدبيرية. الأزمات التي عرفها المغرب مؤخراً، سواء (أزمة كوفيد – زلزال الحوز – الفيضانات)، كانت امتحاناً قوياً للعقل الاستراتيجي المغربي، على اعتبار أنها أزمات تثير المخاوف من إمكانية عودة الزمن المغربي القديم ببصمته التدبيرية التقليدية ومشاكله وتعقيداته (التدبير التقليدي – انتشار الخوف – الارتجال – الارتباك – الاحتجاجات – الوجه لوجه بين الدولة والمجتمع)، للانتقام من خلال الهجوم بقوة على الزمن المغربي الجديد بآفاقه التدبيرية الواعدة (التدبير من خلال النتائج – دراسة الأثر – تعزيز العلاقة بين الدولة والمجتمع – ترسيخ سياسة الجنب لجنب). ولكن قوة الأثر الذي تركته الثورة التدبيرية على المجتمع والمواطن عززت بشكل كبير الثقة لدى المواطن بقدرة الدولة على رفع التحدي، وجعلت رأسمال التفاؤل ينتصر على رأسمال التشاؤم والخوف، مما مهد الطريق لانتصار حقيقي للعالم التدبيري الجديد بالمغرب على العالم التدبيري القديم. والدليل على ذلك الإشادة بالتجربة المغربية في التعامل مع الفيضانات الأخيرة من طرف دولة جارة عاشت نفس الكوارث الطبيعية – البرتغال -، مما يعني أن المغرب اليوم لم يعد يُصنف فقط ضمن خانة الدول التي تدبر نفسها بشكل جيد، بل انتقل إلى خانة الدول التي تنير الطريق للآخرين. -باحث في العلوم السياسية والمالية العامة