حين يُعلَن عن قمة مرتقبة بين الولاياتالمتحدةوالصين، تميل العناوين السريعة إلى الحديث عن "انفراجة"، و"خفض للتوتر"، و"عودة الحوار". غير أن هذا القاموس لم يعد كافي لفهم طبيعة العلاقة بين القوتين الأكبر في العالم، ولا يعكس عمق التحول الذي يعيشه النظام الدولي. فقمة أبريل 2026 التي تنتظرها الأسواق و المنتظم الدولي الغارق في الفوضى و حالة اللايقين، ليست قمة مصالحة، ولا قمة مواجهة، بل قمة ضرورة فرضتها حدود القوة من الجانبين. نحن أمام لحظة اعتراف متبادل بأن الصدام الشامل مكلف، وأن الانتصار الحاسم لم يعد ممكنًا كما كان في زمن القطبية الأحادية. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا ستُنتج القمة؟ بل: لماذا باتت القمة ممكنة وضرورية الآن؟ صعود بلا أوهام يخطئ من يتعامل مع الصين كقوة صاعدة بلا تصدعات، فالتباطؤ الاقتصادي، وأزمة العقار، وتراجع الاستهلاك الداخلي، وارتفاع بطالة الشباب، كلها مؤشرات حقيقية على تحديات بنيوية تواجه الاقتصاد الصيني، غير أن الخطأ الأكبر هو القفز من هذه الوقائع إلى استنتاج مفاده أن الصين تسير حتمًا نحو تكرار "السيناريو الياباني". الصين ليست اليابان اليابان بلغت ذروة صعودها داخل نظام دولي صُمّم ليحدّ من استقلالها الاستراتيجي، بينما الصين تبني صعودها وهي تدير علاقة تفاوضية مع النظام الدولي، لا علاقة اندماج كامل ولا علاقة قطيعة، وهو ما شرحناه بتفصيل في الحلقة الأولى والثانية من برنامج "إقتصاد في سياسة" في موسمه الثاني، كما أن الاقتصاد الصيني لا يقوم على فقاعة مالية خالصة، بل على قاعدة إنتاجية واسعة، وسوق داخلية ضخمة، وقدرة عالية على إعادة توجيه السياسات عند الحاجة، والأهم من ذلك، أن القيادة الصينية لا تتعامل مع التباطؤ بوصفه نهاية المسار، بل كمرحلة انتقالية في دورة أطول، تُراجع فيها اختياراتها وتعيد ترتيب أولوياتها. المأزق الديموغرافي ومن بين أخطر التحديات التي تواجه الصين اليوم، التحول الديموغرافي العميق. الانتقال من سياسة صارمة للحد من الإنجاب إلى دعوة صريحة لإنجاب مزيد من الأطفال، يكشف عن إدراك متأخر بأن الرأسمال البشري ليس عبئًا بل شرط قوة.، شيخوخة السكان، تقلص الفئة النشيطة، وارتفاع كلفة المعيشة في المدن الكبرى، كلها عوامل تجعل الصين أكثر حذرًا في خياراتها الاستراتيجية. دولة تواجه هذا النوع من التحولات لا تبحث عن مغامرات كبرى، بل عن استقرار يسمح لها بإعادة التوازن بين النمو، والعدالة الاجتماعية، والاستدامة..وهذا الوعي الديموغرافي يفسّر جانبًا مهمًا من السلوك الصيني الخارجي: الصين لا تريد حربًا، ولا تحتاج إلى انتصار عسكري لإثبات صعودها. التكيّف بدل الصدام وإذا كان لا بد من كلمة مفتاحية لفهم الصعود الصيني، فهي "التكيّف" .. الصين لم تنتقل من اقتصاد موجه إلى اقتصاد سوق عبر العلاج بالصدمة، كما فعلت دول أوروبا الشرقية، بل عبر التدرج، والتجريب، والتصحيح المستمر. لم تقدّس نموذجًا جاهزًا، ولم تُقحم الأيديولوجيا في كل قرار اقتصادي. هذا المنهج البراغماتي، الذي تبلور منذ نهاية السبعينيات، لا يزال يحكم سلوك الدولة الصينية اليوم. فهو يفسر قدرتها على امتصاص الصدمات، وإعادة التموضع داخل الأزمات، واستثمار الوقت كأداة قوة. من هذا المنظور، لا تسعى الصين إلى إسقاط الولاياتالمتحدة، بل إلى تحييد قدرتها على عرقلة الصعود الصيني، وإلى توسيع هامش الحركة داخل النظام القائم. من استراتيجية الهيمنة إلى إدارة الخسائر في الجهة المقابلة، تعيش الولاياتالمتحدة لحظة مراجعة صامتة.الحرب التجارية، والرسوم الجمركية، والقيود التكنولوجية، لم تُسقط الصين، بل كشفت حدود القوة الأميركية نفسها. فالاقتصاد العالمي بات شديد الترابط، وأي محاولة لكسر أحد أعمدته الكبرى ترتدّ على الجميع. لهذا، انتقلت واشنطن تدريجيًا من منطق الاحتواء إلى منطق إدارة التنافس. لم تعد تسأل كيف تُهزم الصين، بل كيف يُمنع انفجار العلاقة معها. وهذا التحول يعيد إلى الأذهان منطق "التعايش القلق" الذي حكم العلاقات بين القوتين في لحظات سابقة من التاريخ. القمة، بهذا المعنى، ليست تنازلًا أميركيًا ولا انتصارًا صينيًا، بل تكيّف متبادل مع واقع جديد. شبح الفوضى ما يجمع واشنطن وبكين اليوم ليس الثقة، بل الخوف المشترك من الفوضى. فوضى الأسواق، وسلاسل التوريد، وفوضى نظام دولي لم يعد يحتمل صدمات كبرى.. لهذا، لا ينبغي المبالغة في الرهان على هذه القمة، ولا التقليل من دلالتها، قمة لن تُنهي الصراع، ولن تُنتج سلام استراتيجي، لكنها قد تؤجل الأسوأ، وتمنح العالم فسحة زمنية إضافية. نحن أمام عالم ينتقل ببطء من وهم الهيمنة إلى واقع التعدد، ومن سياسة الإخضاع إلى فنّ إدارة التوازنات.. وفي هذا العالم، لا ينتصر الأقوى بالضرورة، بل الأقدر على التكيّف..فهل تمثل هذه القمة بداية لنظام دولي جديد؟ أم مجرد هدنة قبل عاصفة أكبر؟ سؤال مفتوح... ستحاول الحلقة الرابعة من "اقتصاد × سياسة" تفكيكه. إقتصاد في سياسة فهذه القراءة ليست معزولة عن المسار الفكري الذي يقدّمه برنامج اقتصاد في سياسة، فالقمة الصينية–الأميركية لا يمكن فهمها دون العودة إلى سؤال الهيمنة النقدية، وكيف تُدار القوة في العصر الحديث دون جيوش فقط. في الحلقة الأولى: "كيف يحكم الدولار العالم؟"، فُكّكت آليات الهيمنة المالية، وكيف تحوّل الدولار من عملة إلى أداة سلطة تعيد توزيع النفوذ عالميًا. https://youtu.be/PjQn_U0RJJM وفي الحلقة الثانية: "صراع الكبار"، انتقل النقاش من العملة إلى الصراع بين القوى الكبرى، حيث تتصارع "الفيلة" داخل النظام الدولي، بينما يدفع "العشب" ثمن هذه المواجهات. https://youtu.be/lzNxk8ZvzJI أما الحلقة الرابعة، فهي حلقة التركيب:حلقة تربط بين الدولار، والصراع، والطاقة، والتكنولوجيا، والديموغرافيا، لتفهم لماذا تلتقي واشنطن وبكين اليوم لا لصناعة نصر، بل لتأجيل الانفجار. خلاصة القول، أن هذه القمة لن تُغلق ملف الصراع، ولا تُعيد كتابة قواعد اللعبة الدولية من جديد، لكنها قد تمنح العالم هامش وقت إضافي لإعادة التموضع قبل تحوّلات أعمق.. نحن أمام نظام دولي يتحرّك ببطء، يخرج من يقين الهيمنة الواحدة نحو واقع تعددي هشّ، حيث لم تعد القوة تُمارَس بالفرض المباشر، بل بإدارة التوازنات، وضبط الإيقاع، وتأجيل الصدام. في هذا السياق الجديد، لا يكون التفوق للأقوى صوتًا، بل للأكثر قدرة على التكيّف، والأذكى في قراءة اللحظة، والأبرع في استثمار الزمن. فهل تعبّر هذه القمة عن بداية مرحلة مختلفة في بنية النظام الدولي؟ أم أنها مجرد استراحة محسوبة قبل عودة التنافس بأدوات أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا؟ هذا السؤال، وما يخفيه من حسابات غير معلنة، تفككه الحلقة الرابعة من برنامج "اقتصاد في سياسة"، حيث ننتقل من ظاهر الحدث إلى منطقه العميق، ومن الخبر العابر إلى المعنى الذي يصنع المسار.. تابعوا الحلقة القادمة لأن ما يُدار بهدوء اليوم...هو ما سيُحدّد شكل العالم غدًا.. بهذا الأفق نختم، وبهذا السؤال نفتح القادم: هل نغيّر القواعد... أم ننتظر الصدمة التالية؟ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .. كاتب وأكاديمي مغربي