مقدمة تنطلق هذه الورقة التحليلية من فرضية مفادها اقتراب نهاية الحرب في الشرق الأوسط، وأن وقفها مسألة وقت قصير. ومع بروز نتيجة مفادها أن الاستراتيجية غير المتكافئة التي اعتمدتها إيران نجحت في إعاقة تحقيق الأهداف العسكرية والسياسية التي سعى إليها التحالف الإسرائيلي الأمريكي، فإن مثل هذه النتيجة قد تترتب عليها تحولات جيوسياسية وجيوستراتيجية عميقة على المستويين الإقليمي والدولي. إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي إذا انتهت الحرب دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية للطرف الأقوى عسكرياً، فإن ذلك قد يعني تحولاً في ميزان القوى الإقليمي. في علم الاستراتيجية يُشار إلى ذلك بمفهوم توازن الردع، حيث لا ينتصر أحد انتصاراً حاسماً، لكن كل طرف يفرض على الآخر كلفة مرتفعة تمنعه من تحقيق أهدافه. وقد تحدث المنظر الاستراتيجي كلاوزفيتز عن هذه الحالة عندما اعتبر أن الحرب هي "استمرار للسياسة بوسائل أخرى"، ما يعني أن نتيجة الحرب لا تقاس فقط بالتفوق العسكري بل بمدى تحقيق الأهداف السياسية. في هذا السياق يمكن القول إن قدرة إيران على الصمود قد تعزز مصداقية ردعها الإقليمي. وأن بعض الدول قد تعيد تقييم تحالفاتها الإقليمية. كما قد يظهر شكل جديد من توازن القوى الإقليمي. "تآكل الهيمنة" الأمريكية في المنطقة في نظريات العلاقات الدولية، خصوصاً النظرية الواقعية، تُقاس قوة الدولة بقدرتها على فرض النظام الإقليمي الذي يخدم مصالحها. وإذا فشلت القوة المهيمنة في تحقيق أهدافها، فإن ذلك يؤدي إلى ما يسمى "تآكل الهيمنة" وهذا قد يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا لزيادة نفوذها في الشرق الأوسط، وهو ما ينسجم مع فكرة انتقال النظام الدولي من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. تأكيد أهمية "الحرب غير المتكافئة" النتيجة المحتملة للحرب قد تؤكد فعالية ما يسمى في الدراسات العسكرية ب: "الحرب غير المتكافئة"، هذا المفهوم يشير إلى استخدام الطرف الأضعف وسائل غير تقليدية لتعويض تفوق الخصم التكنولوجي والعسكري. تشمل هذه الوسائل الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ والحرب السيبرانية؛ واستهداف البنية التحتية الاقتصادية؛ واستخدام شبكات الحلفاء الإقليميين. هذه الاستراتيجية تقوم على ما يسميه بعض المنظرين العسكريين: "استراتيجية استنزاف الإرادة"، أي جعل كلفة الحرب مرتفعة إلى درجة تدفع الخصم إلى التراجع، وهو ما نلمس حدوثه من الآن. امتداد الحرب إلى الاقتصاد وأمن الطاقة كعامل جيوسياسي حاسم في الفكر الاستراتيجي المعاصر لم تعد الحرب محصورة في المجال العسكري فقط. بل أصبحت جزءاً مما يسمى "الحرب الشاملة متعددة المجالات"، حيث تمتد الحرب إلى الاقتصاد والطاقة والإعلام والفضاء السيبراني. وتمثل الهجمات على طرق الطاقة وناقلات النفط مثالاً لما يسمى في الجيوبوليتيك: "سلاح الجغرافيا الاقتصادية"، حيث تتحول الموارد الطبيعية والممرات البحرية إلى أدوات ضغط استراتيجية. إن الأحداث المرتبطة بتهديد طرق نقل النفط تؤكد أهمية ما يسمى في الجغرافيا السياسية ب: "نقاط الاختناق الاستراتيجية"، وهي الممرات البحرية (مضيق هرمز نموذجا) التي يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية. إن السيطرة أو التهديد بهذه النقاط يمكن أن يغير ميزان القوى العالمي. ولهذا السبب يشير بعض الباحثين الاسترتيجيين إلى أن الطاقة أصبحت أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. صعود دور "الفاعلين من غير الدولة" أظهرت الحرب الحديثة أيضاً تزايد تأثير ما يسمى في علم السياسة: "الفاعلون من غير الدولة"، مثل الحركات المسلحة؛ والشبكات الإقليمية؛ والمنظمات العسكرية غير النظامية. هذه الظاهرة تعكس تحولاً في طبيعة الحروب المعاصرة، حيث لم تعد الدولة وحدها الفاعل الرئيسي في الصراع. ويوصف هذا التحول في الأدبيات الاستراتيجية، بأنه جزء من "حروب الجيل الرابع"، حيث تختلط الحدود بين الحرب النظامية وغير النظامية. خلاصة استشرافية إذا انتهت الحرب دون تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، وهو الراجح وفق المعطيات المتوفرة حتى الآن، فإن ذلك قد يقود إلى ثلاثة تحولات رئيسية، وهي: ظهور توازن ردع إقليمي جديد في الشرق الأوسط؛ وتسارع التحول نحو نظام دولي متعدد الأقطاب؛ وتأكيد فعالية الحروب غير المتكافئة والحروب متعددة المجالات في الصراعات المعاصرة. بمعنى آخر، قد لا تكون نهاية الحرب نهاية للصراع، بل بداية مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي وإعادة تشكيل النظام الإقليمي والدولي. ومن منظور استراتيجي أوسع، قد تؤدي هذه الحرب إلى إعادة تقييم الموقع الجيوسياسي لإيران، حيث إن قدرتها على فرض كلفة مرتفعة على التحالف المعادي لها، رغم اختلال ميزان القوى التقليدي قد تعزز من وزنها الإقليمي والدولي، وتزيد من أهميتها في معادلات توازن القوى وفي هندسة النظام الإقليمي في جوارها القريب والبعيد، بما يشمل منطقة شمال إفريقيا والساحل والصحراء. وهذا مبحث آخر يستأهل مقالا استشرافيا خاصا، لأنه يستدعي المغرب وعلاقاته مع إيران استدعاء إجباريا! باحث في العلوم السياسية والاستراتيجية وخبير دولي في الحكامة