أولا، تأسيس تطوان الأندلسية وتطورها التاريخي؛ 1 – مدينة تطوان الأندلسية/ الإمارة المنظرية: (1485 – 1567): لابد من الإشارة إلى كون تطوان وأحوازها قد أصبحا تحت نفوذ مملكة فاس منذ استقرار الوطاسيين بالعاصمة، إلا أننا لا نعتقد أنهم اعتنوا بالمدينة لإحيائها من خرابها وإعادتها إلى الوجود من جديد، وبناء على ذلك فالراجح أن تطوان ظلت مهجورة ومخربة، حيث تشير المصادر التاريخية إلى تعرض المدينة للتخريب الثاني، وقد ظلت مخربة زهاء الثمانين أو التسعين سنة، وتختلف الأسباب التي تسوقها هذه المصادر بين كون التخريب قد تم على يد أسطول قشتالة وذلك في حدود سنة 1400م)، وبين قائل أن التخريب قد تم على يد سكانها سنة 1437 حين علموا بأن ابن حاكم سبتة قد جهز حملة ضد تطوان، وقناعتهم بمدى تفوق العدو وبالتالي عدم قدرتهم على مواجهة القوات البرتغالية. وظلت المدينة خربة إلى أن حل بها المنظري الذي أعاد الحياة إلى المدينة رفقة المهاجرين الأندلسيين الغرناطيين، وإذا كنا لا نعرف بالتدقيق تاريخ نزول المنظري لأول مرة بتطوان، فإننا نجهل كذلك تاريخ موافقة محمد الشيخ الوطاسي على إسناد حكم تطوان إليه، وإن كنا نضع التولية بعد إذن النزول والاستضافة، وما يسبق ذلك من الاتصالات التمهيدية والنهائية، ولا نرى أن ذلك تأخر كثيرا عن النزول، ونضع من جهة أخرى إعادة بناء المدينة في المرتبة الموالية، وما نراه أن كل الإجراءات كانت قد تمت حوالي سنة 1485، وهو التاريخ المحدد للشروع في إعادة البناء ونتخذه كذلك مؤشرا للاقتراحات السابقة لمرحلة البناء)، هذا في ظل تضارب المعطيات التاريخية المتعلقة بتاريخ وظروف تأسيس مدينة تطوان، حيث تبقى عاجزة عن إفادتنا بشكل دقيق وواضح حول هذا الجانب، هذا فضلا عن كون تلك النصوص غالبا ما تخلط بين ما هو أسطوري وما هو تاريخي. وهكذا فقد أصبحت المدينة بعد إعادة بنائها تحت حكم أسرة آل المنظري «شبه إمارة مستقلة»، اضطلعت بواجب الجهاد في وقت ضعفت فيه السلطة الوطاسية بفاس نتيجة صراعها مع القوات السعدية القادمة من الجنوب المغربي، وأمام الاحتلال الإيبيري للثغور المغربية قام مجاهدو تطوان الأندلسيون، ومن انضم إليهم من أهل البلاد، بهجمات على المحتلين لهذه الثغور في سبتة والقصر الصغير وطنجة وأصيلا، وكانت عملياتهم الجهادية تتم إما بشكل منفرد أو بتنسيق مع مجاهدي المدن المجاورة كشفشاون والقصر الكبير، وقد تعاطى سكان المدينة للجهاد البحري الذي استهدف السفن والسواحل الإيبيرية، كما كانوا يعملون على التنسيق والتعاون مع أتراك الجزائر لضمان نجاح ودقة أكبر لعملياتهم الجهادية. وبعد وفاة الأمير القائد المنظري سيخلفه على حكم تطوان أبناؤه حتى سنة 1567م، وهي السنة التي عزل فيها السلطان السعدي عبد الله الغالب سيدي حمو آخر قائد منظري وأبعده عن الحكم. 2، التدخل السعدي بالمدينة ( 7 6 5 1 – 7 7 15): تتميز الفترة التي تلت إبعاد المنظريين عن الحكم بالغموض على أكثر من مستوى، حيث يجهل الشخصية التي تولت القيادة بتطوان فيما بين 1568 و 1577 خلال حكم السلطان عبد الله الغالب والمتوكل، لكننا نرجح بكون القواد الذين تولوا هذه المهمة هم من أصول غير أندلسية، حتى بداية فترة حكم أسرة أولاد النقسيس للمدينة إثر ضعف السلطة المركزية على غرار ما عرفه مجموع التراب المغربي إبان تلك الفترة. وهكذا فقد شهدت المدينة خلال العهد السعدي العديد من التطورات، وخاصة في الجانب العسكري والسياسي، حيث أولى السعديون لمدينة تطوان عناية خاصة في سبيل دعمها لتتصدى لبرتغال سبتة والقصر الكبير وطنجة، كما سعت السلطة المركزية للتدخل كلما رأت ذلك ضروريا. لقد أصبحت المدينة في حالة طوارئ بعدما تبينت أطماع ملك البرتغال في احتلالها واحتلال مدينة العرائش سنة 1574 أثناء تواجده بطنجة، مما فرض على السلطة المركزية إيلاء بالغ الاهتمام لهذه المدينة ودعمها بما تحتاج من الجيوش، كما ساهمت تطوان من خلال قائدها في الحرب إلى جانب الملك الشرعي، حيث توفي هذا القائد في معركة خندق الريحان الواقع بين سلا والمحمدية، بعد انهزام المتوكل أمام جيوش عبد الملك. وتبقى الفترة التي تلت معركة وادي المخازن إلى حد ما غامضة فيما يتعلق بمدينة تطوان، إذ يجهل اسم القائد الذي كان بالمدينة خلال المعركة وعلى عهد أحمد المنصور. 3 . فترة حكم أولاد النقسيس للمدينة ( 8 7 15-1667) تمتد هذه الفترة من معركة وادي المخازن إلى ظهور الدولة العلوية، وهنا لابد من إبداء ملاحظة أساسية تتعلق بطبيعة حكم أولاد النقسيس) ومن أتى بعدهم، والذي يختلف عن نظام الحكم السائد مع المنظريين، حيث إن ملوك بني وطاس قد فوضوا لهؤلاء الأخيرين الحكم السياسي والاجتماعي نيابة عن السلطة المركزية، دون حضور ممثل السلطة، وابتداء من التدخل السعدي تغير الوضع بصفة عامة، فإن ظهرت السلطة بأيدي أولاد النقسيس فقد كان ذلك تحت نظر الممثل المخزني السعدي بالمدينة، وهذا يمتد حتى الفترة الدلائية والغيلانية، كما تجب الإشارة إلى أن حكام نطوان كانوا يتمتعون بتفويض لحل المشاكل التجارية والدبلوماسية. وبالعودة إلى الحديث عن الفترة النقسيسية يمكن القول عامة إن من مميزات هذه المرحلة انتعاش المقاومة ضد سبتة بعد توقف طويل خلال المرحلة المنظرية، وبذلك تخرج تطوان من الانغلاق الذي كان المنظريون قد سيجوا به نظامهم الأندلسي)، وهكذا فقد نالت هذه الأسرة شهرة كبيرة بفضل المواقف الوطنية ل «مقدميها»، الذين حافظوا على استقلال المنطقة ونظموا الجهاد لطرد المحتلين من الثغور كسبتة وطنجة والقصر الكبير وأصيلا، ومن المواقف التي تشهد لهم بأنفتهم وحميتهم الدينية والوطنية أن المقدم أحمد النقسيس ناصب السلطان الشيخ المامون السعدي العداء ولم يسمح له بالنزول بمرسى تطوان بعد عودته من إسبانيا عام 1610 لخيانته المتمثلة في إخلاء العرائش من المسلمين، وتسليمها للإسبان. وهكذا فقد خضعت مدينة تطوان إلى حكم أسرة آل النقسيس بعد وفاة السلطان المولى أحمد المنصور السعدي، وما رافق هذه الفترة من اضطرابات نتيجة التجزئة السياسية التي شهدها المغرب، والتي أفرزت مجموعة من الإمارات المحلية، فبالإضافة إلى مملكتي فاس ومراكش اللتين استمر فيهما حكم أبناء المنصور السعدي، فقد ظهرت مجموعة من الإمارات الأخرى، في حين خضعت مدينة تطوان إلى حكم عائلة النقسيس، ما عدا فترات قصيرة كانت تخرج عن حكمهم، وذلك حتى قيام الدولة العلوية، فمعها سينتقل حكم المدينة إلى آل الريفي إثر قضاء المولى إسماعيل على عائلة النقسيس حيث عين بها حكام من الريف، فكان هذا العصر كما وصفه غالبية المؤرخين بالعصر الذهبي بامتياز بالنسبة لمدينة تطوان. 4 . تطوان في ظل الحكم العلوي: خضعت المدينة لسلطة العلويين بعدما استولى المولى الرشيد عليها في متم شهر غشت سنة 1667م، وسيضطلع آل أشعاش أبا عن جد بأعباء وظيفة حاكم تطوان خلال سبعين عاما تقريبا، بعد تعيينهم من طرف السلطانين الشهيرين المولى سليمان (1792 -1822) والمولى عبد الرحمن (1823 – 1859). وكما هو معلوم، فمنذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي سيتعرض المغرب لسلسة من الضغوطات الاستعمارية التي مورست عليه، خاصة بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830. وقد تنوعت هذه الضغوط بين ما هو سياسي وآخر عسكري، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية، فكما نعلم أن فرنسا ومنذ احتلالها للجزائر وهي تتحرش بالمغرب، حيث نجحت في جره إلى مواجهة عسكرية نتج عنها كشف النقاب عن مدى الضعف العسكري الذي أصبح عليه المغرب، والمتمثل في الهزيمة العسكرية التي ألحقتها به الجيوش الفرنسية في معركة إيسلي سنة 1844. وستتعرض البلاد لموجة ثانية من الضغوط العسكرية لكن هذه المرة سيكون مسرحها مدينة تطوان في إطار ما عرف بحرب تطوان والتي نتج عنها احتلال الجيوش الإسبانية للمدينة (1860-1859)، مما كان له انعكاسات كبيرة على جانب العمارة الدينية التطوانية، حيث خلفت هذه الحرب هدما وخرابا كبيرين فيها، فهدمت ثلاث مساجد بشكل كلي في حين تعرضت أخرى لخراب جزئي، كما شهدت الممتلكات الحبسية خرابا كبيرا استمرت آثاره لعشرات السنين. وبعد توقيع معاهدة الحماية أصبحت المدينة عاصمة إدارية لمنطقة نفوذ الحماية الإسبانية بشمال المغرب منذ سنة 1913. عنوان الكتاب: المرأة التطوانية وإسهامها في البناء الحضاري والمعرفي الكاتب: كتاب جماعي الناشر: مركز فاطمة الفهرية للأبحاث والدراسات (مفاد) بريس تطوان يتبع..