يستحث المواطن المهدور حقه الملاءمة اللغوية لتفجير مكبوته الذاتي عبر تنويع إطلاقاته الرمزية لقهرية السلطة، فيحيل بالوصف خروقات السلطة من عنف وفساد وظلم إلى رافد بديل عن كليتها، فيحدد القصد بمدلول "المخزن"،حيث تشكل الكلمة في الذاكرة الجمعية وفي النسيج التاريخي الاجتماعي، نمطا للحكم إقطاعيا ورجعيا، يرتبط بشكل مباشر بتحكم الإدارة العتيقة التي تتخذ منهاج التسلط أسلوبا للممارسة التحكمية، بالإضافة إلى تكريسها لوسائل القمع طريقا لمقاومتها الحريات العامة.. وفي هذا التقعيد الدراماتيكي للمخزنية منظومة لتاريخ ملئ بالمآسي والمظالم الكثيرة، سجلت بدماء وآلام المعذبين ممن قبرتهم ظلمات السجون وأقبية الزنازين، ممن خطفوا أو حوكموا محاكمات صورية تحت ذرائع شتى، منها مصادرة آرائهم وحرياتهم الشخصية، معارضين سياسيين وغير سياسيين، استعادة ترميزية تفتح بعضا من شجون ماضي ما أصبح يعرف في أدبيات العهد الجديد "ضحايا انتهاكات العهد البائد". بل إنها صحوة تاريخية سوسيولوجية للتدليل على الوعي الجديد الذي ينحت قيمه وراهنه الاختياري شعب يشكل الشباب فيه نسبة محترمة، تمتح من فريضة التغيير ملهمات الحضارة والاستنارة العقلانية والإبداع التنموي الهادف. وكما هو معلوم فقد شهد المغرب خلال الفترة من 1956 ولغاية 1999 أي ما يقارب 43 سنة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بمختلف أصنافها من اختفاء قسري واعتقال تعسفي وانتزاع الممتلكات. وقد حدثت هذه الانتهاكات نتيجة أحداث سياسية ،تعرضت خلالها بعض الجماعات والمناطق بشكل مباشر أو غير مباشر لآثار العنف السياسي ، ولغرض إثراء سلوك الحوار وإرساء مقومات المصالحة دعماً للتحول الديمقراطي للبلاد وبناء دولة الحق والقانون وإشاعة قيم وثقافة المواطنة وحقوق الإنسان ،فقد تأسست هيئة الإنصاف والمصالحة في بلادنا، بناءً على قرار ملكي. وهي هيئة غير قضائية مهمتها معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت في المملكة خلال الفترة المذكورة ،الغرض منها الطي العادل والمنصف لملف الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والنفي لأسباب سياسية ،ولغرض إنصاف الضحايا والمجتمع ولتعزيز الوحدة الوطنية ودولة القانون في إطار هيئات للحقيقة والمصالحة تستند إلى قواعد العدل والإنصاف في إطار عدالة انتقالية وحل شامل ونهائي لملفات الماضي بطريقة إنسانية ومتحضرة. هذا الاتجاه الجديد للدولة في عهد الملك محمد السادس أرخى بضلاله على مسافة معقولة مما روج له بداية الألفية الجديدة ، كالسلطة الجديدة والعهد الجديد، والتي تفاعلت مع سلة إصلاحات شملت منظومة حقوق الإنسان، ومنها الجانب المتعلق بحرية الرأي والتعبير والحق في التظاهر والاعتصام السلميين. وبالرغم من انخراط الدولة في سلسلة أوراش وطنية وإقليمية ودولية، جاءت بغرض تغيير صورة المخزن، أبدى فيها المغرب استعدادا منقطع النظير، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، مواثيق أممية تم التوقيع عليها والالتزام بها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاتفاقيات الخاصة بمناهضة التمييزوالاتفاقيات الخاصة المتعلقة بردع الإبادة ومناهضة التعذيب والاختفاء القسري والاتفاقيات المتعلقة بحماية الفئات..إلخ، فإن حالات كثيرة بدت فيها الدولة غير قادرة على تحصين بعض مكتسبات شكلت بالنسبة إليها رصيدا بدت بعض آثاره تظهر في حدود مغلقة. توسعت نسبيا بعد قرار تاريخي للملك التخلي عن بعض صلاحياته لرئيس الحكومة الجديد، بعد ثورة دستور 2011 مباشرة. القابلية الحزبوية لتغيير واقعي ينتظره الشعب المغربي لم تكن في مستوى راهنية أحداث قلبت المأمول رأسا على عقب، خصوصا بعد سلسلة قرارات لا شعبية لحكومة هجينة يقودها حزب إسلامي، منها ما هو اقتصادي واجتماعي، ومنها ما هو تدبيري إداري، وآخر سياسي محض. وفي بحر هذا المد والجزر تظهر بين الفينة والأخرى علامات لتخبط الحكومة وعدم رؤية في مجموعة خطوات، كان فيها هدر الجهد وعدم التواصل مع الفاعلين الاجتماعيين في قطاعات مهمة كالتعليم والصحة والسكن والصناديق الاجتماعي وشؤون المهاجرين والإعلام والحكامة ..إلخ، حاضرا ومؤثرا لدرجة اشتباك داخلي بين أعضاء الأغلبية المشكلة للحكومة. زد على ذلك ضعف التيار المعارض للمنهجية الحكومية وتفككها تحت لفح الانتخابات وسلوك بعض أعضائها طرقا لتصفية حسابات شخصية أو حتى براغماتية. كل ذلك لم يزد "عفاريت وتماسيح" بن كيران، في إشارة غير صريحة لتمكن سلطة المخزن من الاستقواء والتأثير في مجريات الأمور في حكم البلاد. لم يزدها إلا قوة ونفوذا، ظهرت بعض ملامحها في العديد من مظاهر التمويه السياسي الممارس في الظل، كنفي رئيس الحكومة الدائم ومعه وزراؤه المنتمون لحزبه أن يكون على علم بقرارات تعنيف المتظاهرين أو المعتصمين السلميين في أي مكان من المغرب. وآخر تلك القرارات استعمال الهراوات ضد المحتجين السلميين من الأساتذة المتدربين والمتدربات بكل من إنزكان والدار البيضاء ومر كش وطنجة. الفضيحة التي أبانت عن استهتار لانظيرله، خصوصا بعد سقوط ضحايا عنف دموي لأساتذة غد المغرب، أساتذة أبنائنا وشعلة مستقبلنا. في كل مرة يستبد بنا التفكير الاستفهامي القاصر عن إدراك مهازل انحدار المخزنية الناهضة من عمق الدولة التقليدية، يحاول تشكيل طفرة حاسمة في إمكانية شغور العقلانية، عن سلطة لاتميز بين الحقوق والواجبات. سلطة لا تقدر أولويات تحرير التاريخ من قهريتها ونكوصيتها. بالاستفراد بقوة التدجين والمماحكة وتقشير البصل. لا يمكن بهكذا مرجعية أن نحول عقارب التاريخ باتجاه تمجيدها وتوريدها شهادة البراءة، دونما تقص لجاهزيتها في إحلال السلم الاجتماعي وتقريب السلطة للمواطنين دون مواربة ولا ضجيج للبروباجندا المبايعة. لايمكن الإقرار نهائيا بموت إبليس بشرورها المستباحة تحت سوط عذاب الضمير. لأنها إن تفاعلت مع روح الشعب وتواضعه وانصرافه إلى الحرية والعيش بكرامة، سيتبدى لها أنها كانت على أعلى درجة من اللاعقلانية، وأنها ستعيد النظر في بؤسها وارتدادها عن اختيارات الوطن. *باحث وإعلامي مغربي [email protected]