تكشف بيانات اقتصادية حديثة عن تحول عميق في بنية الاستثمار العقاري بالمغرب، مع بروز مدينة طنجة كوجهة مفضلة للاستثمار طويل الأمد، متجاوزة النموذج التقليدي القائم على العائد الإيجاري السريع الذي تمثله مدينة مراكش. وأفاد تقرير جديد لمنصة "ImmoWorld" المتخصصة، بأن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، أعادت رسم خريطة الجاذبية العقارية، حيث بات المستثمر يفضل نمو القيمة في الشمال على الدخل المباشر في الجنوب. وتشير المعطيات التحليلية إلى أن مدينة مراكش تواصل الحفاظ على مكانتها كوجهة سياحية ناضجة، تضمن لملاك العقارات عوائد إيجارية موسمية مرتفعة، قد تتجاوز سقف 10 في المئة خلال فترات الذروة السياحية. غير أن التقرير ذاته يرصد وجها آخر لهذا النموذج، يتمثل في محدودية نمو أسعار الأصول العقارية بالمدينة الحمراء، نتيجة حالة التشبع التي يعرفها العرض، ووصول الأسعار إلى مستويات قياسية تحد من هوامش الربح عند إعادة البيع. في المقابل، تقدم طنجة دينامية مغايرة تماما، حيث ترتكز جاذبيتها الاستثمارية على الارتفاع المتسارع والقوي في القيمة السوقية للعقارات، مدعومة بتحولات بنيوية تجعل منها قطبا اقتصاديا قائما بذاته وليس مجرد وجهة موسمية. وسجلت المؤشرات الواردة في التقرير ارتفاعات سنوية في أسعار العقار بطنجة تتراوح بين 15 و 20 في المئة، خاصة في المناطق الساحلية والمحاور الحضرية الجديدة التي تشهد توسعا عمراني مدروس. ويعزو المحللون هذه الطفرة السعرية في عاصمة البوغاز إلى موقعها الاستراتيجي كبوابة لشمال إفريقيا، واستفادتها المباشرة من مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تم إنجازها أو التي توجد قيد الإنجاز. ويأتي في مقدمة هذه العوامل ميناء طنجة المتوسط، الذي خلق منظومة صناعية ولوجستية ضخمة، والقطار فائق السرعة الذي قلص المسافة الزمنية مع العاصمة الاقتصادية، مما عزز الطلب على السكن من طرف فئات مهنية جديدة. ويرى التقرير أن طنجة لم تعد تستقطب فقط الباحث عن شقق للاصطياف، بل باتت وجهة لمستثمر مؤسسي وصناديق استثمارية تراهن على التطور الحضري للمدينة كمركز مالي وصناعي عالمي. وتلعب الاستعدادات لاحتضان مباريات كأس العالم 2030 دور المحرك الرئيسي لهذا التوجه، حيث يساهم هذا الأفق الزمني في عملية إعادة تسعير شاملة للأصول العقارية بالمدينة، توقعا لارتفاع الطلب المستقبلي. ويوضح التحليل أن المستثمر في طنجة اليوم لا يبحث بالضرورة عن عائد إيجاري شهري فوري، بل يتبنى استراتيجية الادخار الاستثماري، عبر شراء أصول ترتفع قيمتها بمرور الوقت مع تطور البنية التحتية المحيطة بها. هذا التوجه يجعل من العقار الطنجاوي مخزنا للقيمة أكثر أمانا وربحية على المدى المتوسط والبعيد، مقارنة بالأسواق التي تعتمد حصريا على النشاط السياحي المتقلب. وفي قراءة للمشهد التنافسي، يخلص المصدر إلى أن مراكشوطنجة تمثلان اليوم خيارين ماليين مختلفين؛ الأول يوفر السيولة عبر الإيجار، والثاني يوفر نمو الثروة عبر ارتفاع قيمة الأصل. ويشير التقرير إلى أن التحول الهيكلي في طنجة جعلها تتجاوز مرحلة المضاربة العشوائية، لتنتقل إلى مرحلة الاستثمار المستدام المرتبط برؤية تنموية واضحة المعالم. كما أن توسع المناطق الصناعية الحرة بطنجة خلق طلبا دائما على السكن الوظيفي والسكن الراقي، مما حرر السوق العقاري المحلي من الارتهان لموسم الصيف فقط، وجعله سوقا نشطا على مدار السنة. ويبدو أن الفاعلين العقاريين التقطوا هذه الإشارات، حيث لوحظ توجه كبار المنعشين العقاريين نحو إطلاق مشاريع كبرى في طنجة، تستهدف الطبقة المتوسطة والعليا، مع التركيز على جودة الحياة والمرافق المندمجة. ويؤكد التقرير أن الفجوة في منطق الاستثمار بين المدينتين ستستمر في الاتساع، مع ميل الكفة لصالح طنجة كوجهة لاستثمار المستقبل، بينما تظل مراكش وجهة لاستثمار العائد الحالي. وتبرز البيانات أن المناطق المحيطة بمحطة القطار والمحاور الطرقية الجديدة في طنجة تسجل أعلى معدلات الطلب، ما يعكس وعي المشتري بأهمية الموقع والقرب من المرافق الحيوية. ويضيف التقرير أن الاستثمار في طنجة يتطلب نفسا طويلا وقدرة على قراءة التحولات الحضرية، حيث أن المناطق التي تشهد أعلى معدلات نمو هي غالبا مناطق التوسع الجديد. ويحذر الخبراء من أن التركيز فقط على العائد الإيجاري في طنجة قد يكون حكما خاطئا على السوق، لأن القيمة الحقيقية تكمن في الربح الرأسمالي عند الخروج من الاستثمار بعد سنوات. ويعتبر هذا التباين مؤشرا صحيا على نضج السوق العقاري المغربي، الذي أصبح يوفر خيارات متنوعة تلائم مختلف الاستراتيجيات الاستثمارية، سواء تلك الباحثة عن الدخل أو تلك الباحثة عن تنمية رأس المال. وفي سياق متصل، يشهد سوق العقار الفاخر بطنجة انتعاشة ملحوظة، مدفوعا بطلب الجالية المغربية المقيمة بالخارج التي ترى في المدينة صلة وصل مثالية بين ضفتي المتوسط. كما أن تحسن مناخ الأعمال في الجهة الشمالية شجع شركات دولية على اتخاذ طنجة مقرا لها، مما زاد من الحاجة إلى عقارات إدارية وسكنية بمواصفات عالمية. وتتوقع المصادر ذاتها أن يستمر المنحنى التصاعدي لأسعار العقار في طنجة، خاصة مع اقتراب موعد انطلاق الأوراش الكبرى المرتبطة بالمونديال، والتي ستغير وجه المدينة بالكامل. وفي الختام، يشدد التقرير على أن قرار الاستثمار في طنجة اليوم بات قرارا استراتيجيا يستند إلى مؤشرات رقمية صلبة، وتوقعات إيجابية بفضل الأوراش الملكية الكبرى التي حولت وجه المدينة.