شهدت منطقة الشمال، مؤخراً، عملية هدم ثكنة "دار الريفيين" التاريخية المتواجدة بالقرب من مدينة الفنيدق، في خطوة تنهي الوجود المادي لأحد أبرز المعالم العسكرية التي أرخت لفترة الحماية الإسبانية بالمنطقة، مما أثار ردود فعل متباينة في الأوساط المهتمة بالذاكرة التاريخية العسكرية في الجارة الشمالية. ويأتي زوال هذه المعلمة ليعكس، حسب مراقبين، التصفية النهائية للإرث المعماري المرتبط بالحقبة الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب، وذلك بعد عقود من استعادة المملكة لسيادتها الكاملة وجلاء القوات الأجنبية، حيث ظل الموقع لسنوات شاهداً على تحولات جيوسياسية عميقة عرفتها المنطقة في منتصف القرن الماضي. وتعود سيرورة هذا التحول التاريخي إلى عام 1956، حينما اضطرت إسبانيا للاعتراف باستقلال المغرب في السابع من أبريل، متأثرة بالمناخ الدولي العام آنذاك، لاسيما بعد انكسار القوى الاستعمارية في معارك فاصلة مثل "ديان بيان فو" عام 1954، مما عجل بإنهاء نظام الحماية الفرنسي ومن ثم الإسباني. وقد توج هذا المسار بانسحاب تدريجي للقوات الإسبانية اكتمل في 28 فبراير 1961، وهو التاريخ الذي شهد مغادرة آخر وحدة عسكرية لموقع "دار الريفيين" وتسليمه للقوات المسلحة الملكية، ليتوقف بذلك الدور الوظيفي للثكنة التي ارتبطت لعقود بتشكيلات "الفيلق الإسباني" في شمال إفريقيا. وعلى المستوى المعماري، كانت "دار الريفيين" تشكل نموذجاً للمنشآت العسكرية المشيدة بين سنتي 1912 و1956، حيث تميزت بخصائص هندسية تمزج بين العناصر الدفاعية والزخرفة المغربية الأندلسية، من قبيل الأقواس والزليج والتحصينات البرجية، مما جعلها لسنوات جزءاً من المشهد البصري الرابط بين القصر الصغير ومحيط مدينة سبتةالمحتلة. وفي سياق متصل، أوردت تقارير إعلامية إسبانية أن الموقع تحول بالكامل إلى وعاء عقاري فارغ، وهو ما أثار سجالاً في الأوساط الأكاديمية والعسكرية بإسبانيا حول سبل التعامل مع "الذاكرة العسكرية" في الخارج، بين رؤية تدعو إلى الحفاظ على المعالم التاريخية، وأخرى تعتبرها جزءاً من ماضٍ سياسي وسيادي ولى بغير رجعة مع فجر الاستقلال. ويشكل هدم هذه المنشأة فصلاً جديداً في نقاش متجدد حول تدبير الإرث العمراني المرتبط بحقبة الحماية، في تداخل معقد بين مقتضيات التنمية المجالية، وصون الذاكرة التاريخية، ومفاهيم السيادة الوطنية التي تكرست منذ جلاء آخر جندي أجنبي عن التراب الوطني.