إرسموكن: جمعية بورجيلات للتنمية والتعاون تحتفي بليلة القدر المباركة بفقرات دينية متنوعة    نيران صديقة بأغلبية جماعة تطوان تخلق ترشيحات وهمية لإسقاط "تحالف البكوري"    أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر        مجلس المنافسة يدعو إلى تسريع ولوج الأدوية للسوق وتقليص آجال الترخيص إلى سنة واحدة                أمير المؤمنين يترأس بالقصر الملكي بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة القدر المباركة        توقيف 5 أشخاص ضواحي وادي زم للاشتباه في تورطهم في ترويج الكوكايين ومحاولة قتل شرطي    علي خامنئي أوصى باختيار مرشد غير إبنه.. كواليس اختيار المرشد الأعلى الجديد لإيران    الجيش الأمريكي يعلن إصابة 200 من عناصره في سبع دول منذ بدء الحرب على إيران    تداولات إغلاق البورصة بلون الأخضر        إعلام عبري: سقوط شظايا صاروخية قرب الكنيست ومكتب نتنياهو بالقدس    رخصة "مقهى" تتحول إلى مخبزة تعجّ بالصراصير بطنجة... مخالفات خطيرة تجر أصحاب محلات إلى القضاء    تأجيل محاكمة مغني الراب "الحاصل"    المنتخبون واحتقار المسرح    تقديم "حدائق درب مولاي الشريف"    تقلبات جوية مرتقبة في جهات المغرب .. زخات مطرية وثلوج قبيل عيد الفطر    "قفة المؤونة" تعود للسجون في العيد    غلاء المحروقات يعيد طرح التساؤلات حول المخزون الاحتياطي ومعايير تغيير السعر    شظايا ‬الحرب ‬الأمريكية ‬الإسرائيلية ‬على ‬إيران ‬تصل ‬المغرب ‬بزيادات ‬في ‬أسعار ‬المحروقات    فيلم "معركة تلو الأخرى" لبول توماس أندرسون يتصدر جوائز الأوسكار لعام 2026    حصري: الثقافة المغربية تحل ضيف شرف على معرض الكتاب في المكسيك    894 ألف منصب شغل مباشر في قطاع السياحة سنة 2025 (وزارة)    دوري أبطال أوروبا لكرة القدم.. ريال مدريد يستعيد خدمات بيلينغهام وكاريراس إضافة لمبابي    المغرب التطواني يحافظ على صدارة القسم الثاني ووداد تمارة يواصل المطاردة    ارتفاع المستفيدين من مسطرة الصلح إلى نحو 22 ألف شخص سنة 2025    تباطؤ سرعة دوران الأرض.. أيامنا تطول بوتيرة غير مسبوقة منذ 3.6 مليون سنة    العدول ‬يشلّون ‬مكاتب ‬التوثيق ‬لأسابيع ‬بإضراب ‬وطني ‬    "لا كورونيا" تنسحب من استضافة كأس العالم 2030    إحياء ‬قيم ‬السيرة ‬النبوية ‬بروح ‬معاصرة ‬    ارتفاع أسعار النفط وسط مخاوف من تهديد منشآت التصدير في الشرق الأوسط    خوان لابورتا يكتسح الانتخابات ويواصل قيادة برشلونة حتى 2031    إيران تؤكد الاستعداد للمضي في الحرب    تقدم حزب "فرنسا الأبية" اليساري في الانتخابات البلدية بفرنسا يبعث إشارات سياسية مبكرة نحو رئاسيات 2027    ترامب يطلب مساعدة 7 دول في تأمين مضيق هرمز    مطار دبي يستأنف الرحلات تدريجيا    23 شتنبر: بداية رهان التغيير مع الاتحاد    النقابة الوطنية للصحة تدعو لإنزال وطني بطنجة احتجاجاً على أوضاع القطاع وتطالب بتنفيذ اتفاق 23 يوليوز        جوزيب بوريل: منارة أوروبا الأخلاقية دُفنت تحت أنقاض غزة    تعادل إيجابي يحسم مواجهة الوداد وأولمبيك آسفي في ذهاب ربع نهائي "الكاف"    رحيل صاحب «الوعي الأخلاقي» .. هابرماس.. آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية    القائمة الكاملة للمرشحين لجوائز الأوسكار 2026    لشبونة.. معرض "ذاكرات حية" لإيمان كمال الإدريسي انغماس في ذاكرة المرأة الإفريقية    خمس عادات تساعدك على نوم صحي ومريح        لا صيام بلا مقاصد    الريسوني يحذر من تصاعد خطاب التكفير والطائفية بعد العدوان على إيران        عمرو خالد يقدم "وصفة قرآنية" لإدارة العلاقات والنجاح في الحياة    المجلس العلمي الأعلى: 25 درهما مقدار زكاة الفطر نقدا لعام 1447ه/2026م    كفير "جودة" يحسن المناعة والهضم    دراسة تبرز حقيقة القدرة على القيام بمهام متعددة    دعوات لتعزيز الوقاية والكشف المبكر بمناسبة اليوم العالمي للمرض .. القصور الكلوي يصيب شخصا واحدا من بين كل 10 أشخاص ويتسبب في معاناة واسعة للمرضى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مأزق الجزائر
نشر في هسبريس يوم 16 - 03 - 2026

لحوالي خمسة عقود والجزائر تحاول أن تضع نفسها خارج نطاق المسؤولية في نزاع الصحراء، وبالمقابل، فالأمم المتحدة، منذ توليها معالجة هذه القضية، وهي تعتبر بأن الجزائر طرف معني بالنزاع، بل طرفًا رئيسيًا فيه، وهذا ما أقرَّته قرارات مجلس الأمن الدولي، وعلى رأسها القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2026.
فمنذ افتعال مشكل الصحراء المغربية، عمل النظام الجزائري على إيهام المجتمع الدولي بأنه ليس طرفًا فيه، ومع ذلك لم يفلح في ذلك، فكل الحجج والأدلة تُبيّن، بما لا يضع مجالًا للشك، مدى تورط النظام الجزائري في خلق وصناعة ملف الصحراء، وذلك ما يظهر مما يلي:
لقد احتضن "النظام" الجزائري تنظيم البوليساريو الانفصالي، فموَّله ووفَّر له الدعم الدبلوماسي والسياسي...، وهو دليل يفيد بأن هذا التنظيم لا قرار له، ولا يتمتع بأي استقلال في اتخاذ أي مبادرة، فعمليًا، شأن البوليساريو ومصيره في أيدي العسكر الجزائري، ومن ثَمَّ، فالجزائر تُعدُّ المسؤولة المباشرة عن البوليساريو. وعليه، فالنقاش الذي بدأ بسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمدريد (واستمر بواشنطن...)، والذي تشرف عليه الولايات المتحدة الأمريكية، يجب أن ينطلق من الحقيقة التالية: على المستوى الواقعي، البوليساريو لا ترقى، من حيث المركز القانوني، إلى طرف مستقل في ملف الصحراء، بل الطرف الحقيقي هي الدولة الجزائرية، وهذا سيترتب عنه بالضرورة:
أن ما يردده النظام الجزائري بخصوص دعم "تقرير المصير" وأسطورة أن هناك "شعبًا صحراويًا"... يُعد مجرد شعارات وأكاذيب، بل يُعتبر أكبر تضليل تاريخي مورس خلال خمسة عقود. لأن البوليساريو ما هي إلا ورقة يوظفها النظام الجزائري في الداخل وفي مجمل تفاعله مع المغرب، فالبوليساريو تتلقى أوامر من ذات النظام وتتحكم في محتجزات تندوف التي تضمُّ مغاربة مختطفين إلى جانب مرتزقة ومجرمين وهاربين من القانون من الدول المجاورة وغيرها.
أن محاولات ابتداع مركز وهمي كوسيط في نزاع الصحراء هو في الواقع كلام فارغ، لا يمكن أن يصدقه عاقل، فالجزائر هي جزء كبير في الأحداث التي تدور فيها تفاعلات الصحراء، منذ ما قبل ظهور ما يسمى بالبوليساريو. فالإضافة إلى أن الاستعمار فعل فعلته في اجتزاء أراضٍ مغربية لضمها للجزائر الفرنسية، فإن هذه الأخيرة (الجزائر) بعد استقلالها كوَّنت عقيدة مفادها العداء الدائم للوحدة الترابية للمغرب ولنظامه السياسي وكل مصالح المملكة المغربية. إن الجزائر أضحت طرفًا عدائيًا ثابتًا للمغرب ومدافعًا شرسًا عن كيان انفصالي إرهابي ترعرع فوق تندوف التي تقع تحت إدارة الجزائر. فكيف إذن لهذه الأخيرة أن تكون خصمًا وطرفًا ووسيطًا في آن واحد؟ إنه هراء ما بعده هراء!!
الحكم الذاتي مقترح مغربي لاستيعاب المغاربة المحتجزين في تندوف، ولا شأن للنظام الجزائري بأمور تخص المغاربة فيما بينهم. فالأمم المتحدة طلبت (عبر قرار مجلس الأمن 2797) من المغرب أن يؤكد حكمًا ذاتيًا كان قد اقترحه سنة 2007، ولم تطلب من الجزائر أن تعطي رأيها في شأن يخص المغرب. فالحكم الذاتي ليس بتصور أو أرضية "للتفاوض"، بل هو شأن مغربي داخلي يترجم أرقى أشكال الجهوية الموسعة التي دخل فيها النظام الترابي للمملكة المغربية منذ مدة. فالجزائر غير معنية بتفاصيل الحكم الذاتي وجزئياته لأن الأمر يدخل حصرًا في نطاق السيادة المغربية.
على المجتمع الدولي والأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية (الدولة الراعية لتسوية ملف الصحراء)، وكل الجهات التي تريد العمل من أجل حل ملف الصحراء، أن تنطلق من أربع حقائق:
الأولى: تصحيح المركز القانوني للموجودين في تندوف. فالمغاربة الذين في تندوف ليسوا لاجئين، بل هم محتجزون. فإذا ما فكَّ "النظام" الجزائري القيد والحواجز عنهم، فسيعودون إلى بلدهم المغرب، وبدون تردد، خاصة وأن عددهم، كما تشير التقارير، لا يتجاوز 2 في المئة من "ساكنة" تندوف.
الحقيقة الثانية: أن معظم من في مخيمات تندوف مرتزقة وجزائريون ومن الدول المجاورة وغيرها (وهذه الحقيقة هي التي جعلت النظام الجزائري يتنصل من الإحصاء الذي ألحَّت عليه كل قرارات مجلس الأمن الدولي). فهؤلاء تتحمل الجزائر مسؤوليتهم، وهي وحدها الملقى على عاتقها أن تجد حلًا لهم، لكن ليس في تندوف التي تُعتبر أرضًا مغربية. فعلى "النظام" في الجزائر أن يعمل على إخلائها وتسليمها للمغرب مع بقية أراضي الصحراء الشرقية التي قَضَمتها فرنسا خلال استعمارها للجزائر.
الحقيقة الثالثة: أن الجزائر تحتضن تنظيمًا انفصاليًا مسلحًا ذا توجهات إرهابية، وتقوده قيادات لا يمكن أن تجد لها مكانًا ضمن تسوية ملف الصحراء غير تقديمهم للمحاكمة، لكونهم ارتكبوا مختلف أنواع الجرائم ضد القانون الإنساني وحقوق الإنسان، عن طريق الاختطاف والتعذيب والاغتصاب والقتل والإرهاب والتهريب...
الحقيقة الرابعة: أن النظام الجزائري ليست له نية لحل هذا الملف، وذلك، على الأقل، للأسباب التالية:
السبب الأول:
يتجلى في طبيعة "النظام" السياسي في الجزائر، فهو نظام عسكري انقلابي وغير ديمقراطي، استولى على السلطة بشكل دموي -خاصة مع العشرية السوداء- ويعيش تناحرًا عصاباتيًا على الحكم والثروة، كوَّن عقيدة ثابتة مفادها أن هناك "عدوًا" جارًا (المغرب) يجب الاستعداد دائمًا لمواجهته.
في الواقع، المغرب ليس عدوًا للجزائر، فهذا مجرد افتراء. لذلك، فخلفية النظام الجزائري من وراء كلام من هذا القبيل هي:
أولًا: تبرير الاستمرار في إحكام القبضة على الحكم والسيطرة عليه وعلى ثروات البلاد، وهي قبضة تقوم على البروباغاندا وعلى أن هناك "تهديدًا" دائمًا للجزائر من طرف المغرب، لتبرير السلوك العدائي ضد المملكة المغربية والتحريض عليها، وكذا محاولة تجييش الجزائريين واستعمال كل الوسائل والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية للمساس بكل ما هو مغربي. وقد بدا ذلك جليًا وبشكل فاضح في العديد من المناسبات، كما كان الأمر خلال الهجمات الإعلامية غير المبررة على المغرب أثناء تنظيمه لكأس إفريقيا.
ثانيًا: توظيف نفس الأطروحة ("وجود عدو خارجي": "المغرب!") في محاولة من "نظام" العسكر لتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية... التي تعيشها البلاد.
السبب الثاني:
أن حل ملف الصحراء، خارج الشعارات التي كان يسوّقها النظام الجزائري، سوف تختفي معه كل المبررات التي كان يقدمها ذات "النظام" للشعب الجزائري كي ينهب الملايير في موضوع لا يعني الجزائريين، أصلًا، في شيء. إن انتهاء ملف الصحراء سيضع "النظام" الجزائري أمام مواجهة مباشرة مع الجزائريين، وهذا منطقيًا -لو كانت هناك عدالة في البلاد- سيؤدي إلى مساءلة ومحاسبة المسؤولين الذين قاموا بتبديد أموال الجزائريين في "قضية" البوليساريو!
السبب الثالث: لعل من الأسباب التي تجعل الجزائر تتمنى عدم إيجاد حل لملف الصحراء هو أمر أولئك الذين سيلفظهم حل ملف الصحراء. فبديهي أن المغرب لا يمكن أن يقبل إلا بعودة المغاربة المحتجزين في تندوف، أما غيرهم فالمغرب غير معني بوضعهم، ومن ثَمَّ، فالنظام الجزائري سوف يكون أمام خيارين أساسيين:
الخيار الأول: إدماج هؤلاء ومنحهم الجنسية الجزائرية بعد تقديم قيادة البوليساريو الذين ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية للمحاكمة، وتدبير أمر تجريدهم من السلاح وتفكيك مخيمات تندوف، مع استحضار مطالب المغرب المحتملة والشرعية في استرجاع ولاية تندوف.
الخيار الثاني: العمل على تهيئة الظروف لإعادتهم لأوطانهم وتحمل المسؤولية في تدبير أمرهم مع الدول التي يحملون جنسيتها.
السبب الرابع:
إلى جانب التوظيف السياسي والاستراتيجي لملف الصحراء، سيشكل إنهاء الملف ضربة قاصمة لتجار المساعدات الإنسانية التي تقدم للمحتجزين في تندوف. فقد أكدت العديد من التقارير (تقرير للمكتب الأوروبي لمكافحة الغش 2014–2015) أن معظم المساعدات الإنسانية لا تصل إلى تندوف، حيث يتم اختلاسها في مطار وهران ليتم لاحقًا المتاجرة بها في الأسواق الإفريقية وغيرها. لذلك، فالعديد من ضباط العسكر الجزائري (وقيادة البوليساريو) الذين يغتنون من هذه الأعمال غير المشروعة، وكذا من صفقات الأسلحة، ليس في مصلحتهم حل ملف الصحراء، بل بقاؤها في وضعية الستاتيكو للاستفادة ما أمكن، ولو على حساب معاناة ومأساة المحتجزين في تندوف.
السبب الخامس:
الصراع على النفوذ والزعامة إقليميًا. فهذا الأمر يُعدُّ من بين الخلفيات التي تحكم سلوك النظام الجزائري في علاقته بملف الصحراء. وفي هذا الإطار، بدا واضحًا أن سلسلة الانتكاسات التي عرفتها الجزائر جعلتها كقزم سياسي واقتصادي لا وزن له، وكلمته غير مسموعة لا إقليميًا ولا على الصعيد الدولي، فكل المحاولات في هذا الاتجاه باءت بالفشل. وعلى العكس من ذلك، نلمس نهجًا دبلوماسيًا مغربيًا رصينًا يقوده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يقوم على سياسة اليد الممدودة، التي لم يستوعبها "النظام" الجزائري. فالرئيس ترامب لا يبدو أنه سيرحم قومًا أصيبوا بجهالة لأكثر من خمسين سنة. فقد انكشفت عورة "القوة الضاربة!"، وبدا النظام الجزائري وكأنه حمل وديع، لا قدرة له على مجاراة واقعية ترامب وخطواته العملية في ملف الصحراء.
إن ادعاء "النظام" الجزائري الدفاع عن "حق الشعوب في تقرير مصيرها" أكبر خطأ ارتكبه النظام الجزائري. فاليوم، لم يعد أمام ذات النظام إلا القبول بالحكم الذاتي كصيغة قرّرها المجتمع الدولي لحل هذا النزاع الإقليمي، بينما كان هدفه الاستراتيجي غير المعلن هو الحصول على منفذ على الأطلسي. فمن الفداحة بمكان، اليوم، أن يتجرأ النظام الجزائري وأن يردد هذا الأمر، ولو مع نفسه، لأنه سيتناقض تمامًا مع الشعارات التي كان يرفعها سابقًا. هذا بالإضافة إلى أن التطورات التي عرفها ملف الصحراء أقبرت كل أطماع النظام الجزائري وأنهت أحلامه إلى الأبد.
السبب السادس:
لقد كان النظام الجزائري على يقين بأن المغرب سيطالب بأراضيه في الصحراء الشرقية، سواء أطال الزمن أو قصر. لذلك، كان يناور في ملف الصحراء الغربية المغربية، ويطيل أمده ما أمكن وبجميع الوسائل والطرق. وبعدما فرض عليه المجتمع الدولي الانخراط في تنزيل القرار 2797، كطرف رئيسي في ملف الصحراء، وبعدما تيقَّن، بما لا يضع مجالًا للشك، بأن ملف الصحراء قيد الطي النهائي، وبدا له (النظام الجزائري) أن ذلك ستعقبه إمكانية انتقال المغرب إلى المطالبة باسترجاع أراضيه في الصحراء الشرقية، اندفعت الجزائر وبشكل متهور إلى القيام بمناوشات غير محسوبة العواقب في مناطق التماس مع المغرب (خطف وقتل مغاربة، وضع "علامات حدودية" من جانب واحد...)، وهي مناورات تستهدف من ورائها:
أولًا: محاولة خلق "أمر واقع" يخالف القانون الدولي وما تم الاتفاق عليه سابقًا بين المغرب والجزائر. وذلك ما ترجمه سلوك "النظام" الجزائري بإعلانه أنه سيشرع في "استغلال" "غار جبيلات"، وهو يعلم بأن الجزائر تحتل أراضي مغربية -من بينها موقع تواجد هذا المنجم- ضمَّتها فرنسا للجزائر الفرنسية أيام الاستعمار.
ثانيًا: محاولة جَرّ المغرب لحرب من أجل خلط الأوراق وعرقلة التقدم الذي عرفه ملف الصحراء الغربية المغربية.
ثالثًا: محاولة افتعال وقائع، لعلها تساهم في تقوية موقع الجزائر "التفاوضي" كطرف في ملف الصحراء الغربية المغربية من جهة، وكذا استبعاد أي مطالب مغربية محتملة في صحرائه الشرقية من جهة ثانية. لذلك، حاول "النظام" الجزائري أن يدخل في خطة ابتزاز فاضحة تنطوي على فكرة أن أي انخراط في حل سياسي لملف الصحراء يجب أن يكون رهينًا "بشرط" عدم مطالبة المغرب بحقوقه المشروعة في الصحراء الشرقية. وهي خطة لا تعدو أن تكون سوى مناورة مكشوفة تؤكد عبث النظام الجزائري وإفلاسه.
إنها مناورات فاشلة وتدخل في نطاق الارتباك العام، وهي عبارة عن ردود أفعال غير محسوبة وطائشة من طرف النظام الجزائري، وليس لها أي تأثير في سياق التطورات الراهنة لملف الصحراء وطريقه نحو الحل، خاصة وأن ذات "النظام" لم يكن له أي موقف سابق بخصوص ملف الصحراء. ألم يكن موقفه الرسمي والوحيد ينحصر في: "دعم حق تقرير المصير"؟!!
إن موقع الجزائر في ملف الصحراء ومركزها القانوني فيه، كطرف معني، لا يعني ذلك أن لها الحق في تقديم تصورات أو بلورة الحلول التي تراها مناسبة أو التفاوض بشأن ذلك. بل مركزها كطرف محصور فقط في أن لها مسؤولية سياسية وقانونية في ملف الصحراء، وذلك انطلاقًا مما تؤكده الحيثيات التالية:
أولًا: أن الحديث عن ملف الصحراء يستوجب استحضار وجود "أشخاص"/ "ساكنة" في منطقة تندوف، وهي تقع، إلى حدود اليوم، تحت سلطة وإدارة "النظام" الجزائري. ومن ثَمَّ، وفي جميع الأحوال، ومهما كان التوصيف "القانوني" الذي تريد أن "تمنحه" الجزائر لنفسها، فذلك لن يعفيها من المسؤولية بخصوص أمر "هؤلاء" الموجودين في تندوف، كما تبرز الفرضيات التالية:
الفرضية الأولى: الموجودون في مخيمات تندوف، منهم من هم محتجزون، وإلى جانبهم توجد أغلبية خارجة عن القانون، ومرتزقة...
يترتب عن هذه الفرضية ما يلي:
1 – نسبة معينة (وهي أقلية 2 في المئة) من هؤلاء هم مغاربة وذو أصول مغربية. فدون شك، سيعودون إلى وطنهم المغرب. فالجزائر، من الواجب عليها وبالضرورة، أن تساهم في الأمور التقنية لتسهيل عودتهم إلى بلدهم المغرب. وهذا ما يجب أن تلتزم الجزائر بتنفيذه في إطار الاتفاق على تفعيل الحل السياسي، كما يؤكده القرار 2797.
2- المرتزقة والمجرمون والهاربون من القانون من دولهم، تتحمل الجزائر أمر تواجدهم في مخيمات تندوف. لذلك، يجب عليها أن تجد لهم حلًا ومخرجًا، سواء بالتوطين أو إعادتهم إلى بلدانهم أو... (مع واجب احترامها في ذلك اتفاقيات حقوق الإنسان). بالمقابل، فالمغرب غير معني بهؤلاء: المرتزقة أو الذين بدون هوية... فإذا كان النظام الجزائري هو من أوجدهم في تندوف، سواء لضمهم لمليشيات البوليساريو، أو لتنفيذ أعمال غير قانونية، أو لرفع عدد "ساكنة" تندوف...، فإنه من الطبيعي أنه هو وحده الملقى على عاتقه تدبير أمرهم.
3- قيادة البوليساريو الذين ارتكبوا أعمالًا إجرامية، سواء بخرق القانون الإنساني أو حقوق الإنسان، أو اختلاس المساعدات، أو تورطوا في أعمال إرهابية...، يجب على "النظام" الجزائري أن يسلمهم ليخضعوا للمحاكمة، في إطار 'محكمة جنائية خاصة'، وليس التستُّر عليهم وإيواؤهم وهم مجرمون.
الفرضية الثانية: حتى ولو افترضنا أن هؤلاء "لاجئون"، فعلى الجزائر أن توفر لهم حقوقًا تؤكدها اتفاقيات اللجوء، خاصة اتفاقية الأمم المتحدة 1951 وبروتوكول عام 1967. حيث يُفترض في بلد اللجوء وفي سلطاته، كما تؤكد على ذلك هذه الصكوك، أن تفي بالتزاماتها أثناء التعامل مع الوضعيات التي تترتب عن كون هؤلاء "لاجئين"، سواء فيما يخص تجنيسهم أو توطينهم أو إعادتهم أو استبعادهم، أو تنقلهم... فمن اللازم على الجزائر أن تتحمل كافة مسؤولياتها إزاء وضعية هؤلاء، كيفما كان توصيفهم القانوني، مادام أنهم موجودون فوق تندوف.
ثانيًا: مليشيات البوليساريو تتوفر على عتاد حربي تستعمله سواء في الاعتداء على الأراضي المغربية، أو حينما تقوم بعملياتها الإرهابية، سواء من خلال أعمال تقوم بها هي نفسها، أو عبر تزويد ومساعدة مختلف الجماعات الإرهابية والجهادية في الساحل والصحراء. فالجزائر ملقى على عاتقها مسؤولية تفكيك الترسانة اللوجستيكية لسلاح البوليساريو، كي لا تسقط في أيدي الجماعات الإرهابية وعصابات التهريب... وعليه، من المنطقي أن تكون (الجزائر) حاضرة في الاجتماعات الخاصة بملف الصحراء المغربية كطرف معني مباشرة وحصرًا بتدبير ملف أسلحة البوليساريو.
ثالثًا: الجزائر معنية بالتعويض عن الأضرار
مهما كان مآل "المفاوضات" في إطار التفاصيل التي سيضعها "نظام الحكم الذاتي" لتسوية ملف الصحراء المغربية، يبدو أن معطى "المصالحة" سوف يكون من بين المداخل التي يمكن أن يتضمنها سيناريو الحل. ومع ذلك، فلا يمكن مصادرة حق من انتُهكت حقوقهم من طرف قيادة البوليساريو وضباط النظام الجزائري، ممن تورطوا في القتل والتعذيب الممنهج الذي طال العديد من سكان محتجزات تندوف على امتداد العقود الماضية، وذلك في خرق سافر لكل المواثيق الدولية ذات الارتباط بحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني التي صادقت عليها الجزائر.
إن تسوية ملف الصحراء يستوجب اتخاذ خطوات جريئة بهدف إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة، الذين كانوا مسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والتي لا يمكن أبدًا أن تسقط بالتقادم. فهي تستوجب ملاحقة قانونية وتعويضًا للضحايا الذين تعرضوا لمختلف أنواع التعذيب في محتجزات تندوف وفي سجونها (البوليساريو/ الجزائر) ومعسكراتها.
وبما أن هذه الانتهاكات قد مُورست فوق الأراضي التي تقع تحت إدارة الجزائر، كما أن هذه الأخيرة هي المسؤولة قانونيًا وسياسيًا عمّا يقع في تندوف. إضافة إلى أن "النظام" الجزائري يوجه تعليمات لقيادة البوليساريو لارتكاب أعمال خارج القانون، مع مشاركة ضباط جزائريين في تلك الأعمال. فإن ذلك يلزم بالضرورة الجزائر بأن تؤدي -إضافة إلى متابعة الجناة ومحاكمتهم وتسليمهم- تعويضًا للمتضررين. وهو الأمر الذي لا يمكن للجزائر أن تتنصل منه في جميع الظروف والأحوال، ومهما كان المركز القانوني الذي "تُريد" أن تتقمصه في اجتماعات مدريد أو واشنطن، أو غيرها من الاجتماعات التي تُعقد من أجل حل ملف الصحراء المغربية وتسويته.
رابعًا: نزاع الصحراء نزاع إقليمي، والجزائر طرف فيه بالضرورة.
إن حضور الجزائر في المحادثات الجارية تحت الرعاية الأمريكية فرضته بالضرورة مسؤوليتها ومركزها، الذي يعرّفها كطرف معني بهذا النزاع الإقليمي، حيث أن:
الجزائر أولًا هي التي ساهمت في وجود تنظيم البوليساريو وفي احتضانه وتكريس استمراره وتمويله، والدفاع عنه سياسيًا ودبلوماسيًا. وهذا يعني بالضرورة أن لها مسؤولية محورية في إنهاء هذا المشكل الذي خلقته. لكن ذلك ليس على حساب صاحب الأرض (المغرب)، الذي له كامل الحق في اختيار ما يراه مناسبًا لإدماج المحتجزين المغاربة في تندوف. وهذا ما يبدو منطقيًا، مما يفسر تبني المجتمع الدولي والأمم المتحدة للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كخيار واقعي، وتم إقراره من طرف مجلس الأمن الدولي في قراره التاريخي 2797 كأساس وحيد لحل ملف الصحراء.
النزاع إقليمي، فهو يعني بالضرورة دولتين: المغرب والجزائر. فالأولى لها حقوق مشروعة على أرض مغربية بالتاريخ والجغرافية والقانون. والثانية (الجزائر) متورطة في خلق البوليساريو ولها مشاكل حدودية مع المغرب (بشار، تندوف... أراضٍ مغربية ضمها الاستعمار الفرنسي للجزائر)، كما لها أطماع جيواستراتيجية (البحث عن منفذ على المحيط الأطلسي)، وأخرى إستراتيجية (محاولة السيطرة على الثروات الطبيعية في الصحراء المغربية: المعادن، الثروات البحرية، الطاقة...). هذا إلى جانب مطمع ووهم النفوذ وصراع الزعامة الإقليمية... إنها معطيات تؤثر على الاستقرار الجيوسياسي للمنطقة وتفضي إلى زعزعة الاستقرار في كل الجوار الإقليمي.
لذلك، ومن هذا المنطلق، فحضور الجزائر في اجتماعات تنزيل القرار 2797 (في مدريد وفي الولايات المتحدة الأمريكية) ليس اختياريًا، بل هو أمر إجباري. لأن تفاعلاتها في ملف الصحراء المغربية دائمًا ما تتخذ منحى الدفع نحو جرّ المنطقة لحالة عدم الاستقرار. وهذا يفرض على الأمم المتحدة، نظرًا لما لها من مسؤوليات وفي إطار آلياتها للدبلوماسية الوقائية (كما يفترض ذلك الفصل السادس من الميثاق)، أن تقوم باللازم للضغط على الجزائر كي تحضر كطرف (وذلك تفعيلًا لقرارات مجلس الأمن) لإحاطتها علمًا بما يجب فعله لتنزيل القرار 2797، وذلك لتجنيب المنطقة أي تطورات قد تهدد السلم والأمن الدوليين. وبالتأكيد ستكون الجزائر هي المسؤولة الأولى والأخيرة عنها إذا لم تنخرط بشكل جدي وإيجابي فيما يراه المجتمع الدولي مناسبًا لحل هذا النزاع الإقليمي.
بناء عليه، الجزائر اليوم ليس لها أي هامش للمناورة أو التضليل، فمسؤولياتها في ملف الصحراء ثابتة ولا يمكن التنصل منها. فبعد تاريخ طويل من التهرب والمراوغة، بدأ تعاطي المجتمع الدولي والأمم المتحدة يأخذ طريقه الصحيح للتعامل بالصرامة المطلوبة مع النظام الجزائري، كي يتحمل مسؤوليته الحقيقية في افتعال ملف الصحراء وإطالة أمده، على حساب الأوضاع الإنسانية في مخيمات تندوف، وضدًا على مصالح المغرب وشعوب المنطقة ككل، ومتطلبات السلم والأمن الإقليمي والدولي.
فالجزائر اليوم مجبرة على سلوك واحد من المسلكين التاليين:
المسلك الأول: الانخراط في حل ملف الصحراء وفقًا لما يمليه القرار 2797؛ أي تنزيل الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، مع تحمل كامل مسؤولياتها (الجزائر) فيما تسببه سلوك نظامها الأرعن الذي احتضن تنظيمًا انفصاليًا ذا توجهات إرهابية، والذي ارتكب كل أنواع الجرائم سواء في مخيمات تندوف أو في باقي المنطقة... وهذا المسلك هو خيار واقعي، ويبدو أن الجزائر بدأت تأخذ هذا المنحى مرغمة. فحضورها إلى اجتماعات سماع الإجراءات التقنية لتنفيذ الحكم الذاتي في مدريد وواشنطن ما هو إلا دليل على أن النظام الجزائري أصبح مكرهًا على ضرورة الانصياع لما تفرضه الشرعية الدولية، التي تتوخى تكريس السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية للمملكة وحل ملف الصحراء وفقًا لمنظور الحكم الذاتي.
فأمام هذه التطورات الواقعية، يظهر النظام الجزائري في موقف لا يُحسد عليه. ومن ثَمَّ، فصمته وإخراسه في هذا الموضوع لا يمكن تفسيره إلا قبولًا بالأمر الواقع. فلم يعد أمامه الآن سوى تهيئة الظروف والبيئة النفسية 'المناسبة' لإطلاع الجزائريين بإخبار من هذا القبيل.
المسلك الثاني: رفض الانصياع لما تفرضه الإرادة الدولية الراهنة من شروط لحل مشكل الصحراء وفقًا لما يحدده القرار 2797. وقد يأخذ هذا الرفض مظهرين:
الأول: سوف يحاول "النظام" الجزائري أن يُبدي أنه قيد الانخراط في تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي، ومن ثَمَّ سيحرص على حضور "المفاوضات" التي تُجرى في ملف الصحراء. لكن حضوره لن يكتسي الجدية المطلوبة، وسيحاول -متناسيًا أن القرار في إنهاء هذا الملف ككل ليس بيده- أن يردد أسطوانته المشروخة كونه غير معني بهذا النزاع، أو أن مركزه القانوني فيه "كطرف مراقب" فقط...، وذلك أملًا في أن يمتدّ النقاش في هذا الملف زمنًا طويلًا حتى تنتهي ولاية "ترامب" لتعود الأمور إلى ما كانت عليه سابقًا.
الثاني: محاولة "النظام" الجزائري تقديم تنازلات والقيام بصفقات لصالح الولايات المتحدة الأمريكية قصد تخفيف الضغط عليه. صحيح أن للولايات المتحدة الأمريكية مصالح اقتصادية وتجارية في الجزائر، لكن ذلك لن يغيّر من الموقف الأمريكي اتجاه ملف الصحراء المغربية أي شيء، وذلك، على الأقل، للأسباب التالية:
السبب الأول: أن المملكة المغربية حليف تاريخي للولايات المتحدة الأمريكية، وتربطهما علاقات اقتصادية وشراكات تجارية وعسكرية؛ مناورات دورية في إطار أسد الأطلسي وأفريكوم... ومحاربة الإرهاب...، كما أن للمغرب مواقف متقاطعة مع الولايات المتحدة الأمريكية اتجاه العديد من القضايا الإقليمية والدولية.
السبب الثاني: الموقع الاستراتيجي للمغرب، كبوابة لإفريقيا وأوروبا، وكقوة إقليمية وفاعل مؤثر له وزنه إفريقيًا ومتوسطيًا وأطلسيًا وفي شمال إفريقيا والشرق الأوسط. كما أنه شريك موثوق به على الصعيد الدولي، وتمكّن من بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى والفاعلين الدوليين، خاصة وأن كلمته مسموعة في العديد من القضايا والنزاعات، بعد مراكمته رصيدًا وتجربة كبيرة في مجال حفظ السلام والوساطة والمساعي الحميدة في العديد من النزاعات الإقليمية والدولية. مما يجعل المغرب مؤهلًا أكثر من غيره، إقليميًا، كي يلعب دورًا في القضايا الدولية والرهانات الجيوسياسية والإقليمية بما يخدم مصالحه ومصالح شبكة حلفائه الإقليميين والدوليين.
السبب الثالث: أن الولايات المتحدة الأمريكية دولة عظمى لا تشتغل بمنطق ردود الأفعال في سياستها الخارجية. فهذه الأخيرة لها مختبراتها وتُصنع بناءً على استراتيجيات محكمة يستشرفها متخصصون وخبراء ومراكز بحثية ومخازن تفكير محترفة. ومن ثَمَّ، فتعاطيها (الولايات المتحدة الأمريكية) مع قضية الصحراء المغربية لا يتم التعامل معها كملف معزول عن بقية الملفات والقضايا الإقليمية والدولية، بل يأتي في إطار تصور استراتيجي شامل يروم إعادة بناء وهيكلة المنطقة. وذلك في سياق دولي تعمل فيه الولايات المتحدة الأمريكية على الخوض في تشكيل جديد للنظام الدولي، يقوم على تغيير لافت لقواعد اللعبة على الصعيد الدولي، موظفة في ذلك قيادة رجل (ترامب) قادر على اتخاذ وتنفيذ قرارات جريئة ولم يسبق لها مثيل على الصعيد الدولي.
لذلك، فوجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية في ملف الصحراء ليست آنية، أو وليدة لحظة إجراء المحادثات التي بدأت في مدريد (بالسفارة الأمريكية) أو بواشنطن... أو غيرهما. بل موقف الولايات المتحدة في ملف الصحراء كان قبل ذلك بكثير، وذلك ما تم التعبير عنه بشكل صريح ولا لبس فيه من طرف رئيس الولايات المتحدة "دونالد ترامب" سنة 2020، حين اعترف بالسيادة الكاملة للمغرب على الأقاليم الجنوبية للمملكة. وهي قناعة راسخة لدى الإدارة الأمريكية، ومبدأ ثابت في توجهها اتجاه ملف الصحراء المغربية، كما أكد ذلك مختلف المسؤولين الأمريكيين في الإدارات الأمريكية المتلاحقة.
لهذه الأسباب، وأخرى، سوف يجد "النظام" الجزائري نفسه في مأزق لم يسبق له مثيل، وهو الذي حُشر في زاوية ضيقة وأمام إرادة دولية صارمة تفرض عليه تحمل مسؤوليته، كطرف له مركز قانوني محدد ومقيَّد ومحصور في تطبيق حلول ملف الصحراء المغربية، وذلك كما تقررها الإجراءات التنفيذية للحكم الذاتي، مستندةً إلى قرار مجلس الأمن الدولي 2797 الذي وضع سقفًا واضحًا وصريحًا ووحيدًا لإنهاء ملف الصحراء، ألا وهو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
لذلك، فالاجتماعات السارية اليوم لا يستقيم توصيفها بالمفاوضات (التي تعني تبادل الآراء بين الأطراف لتقريب وجهات النظر من أجل التوصل لاتفاق). لأن حل ملف الصحراء هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهي صيغة نهائية، فيها حد أدنى وسقف أقصى لا يمكن تجاوزه. فالمطروح للنقاش هو التداول في الإجراءات التقنية والتنفيذية الخاصة بإطلاق سراح المغاربة المحتجزين في تندوف، وكيفية عودتهم إلى بلادهم للعيش في إطار حكم ذاتي يمكنهم من ممارسة حقوقهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بكل حرية وأمان. غير ذلك سيكون من قبيل الترهات. فالسيادة خط أحمر، والمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.
فالنظام الجزائري، اليوم، لم يعد أمامه متسع من الوقت. فإما الانخراط فيما تفرضه الإرادة والشرعية الدوليتان، وكذلك موازين القوى الدولية الراهنة التي تؤمن بأن الحل الوحيد لملف الصحراء هو الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، أو سيجد نفسه أمام السيناريوهات التالية:
السيناريو الأول: تصنيف البوليساريو كتنظيم إرهابي، واعتبار النظام الجزائري يحتضن جماعة إرهابية. وهذا ستترتب عنه عقوبات من طرف المجتمع الدولي ضد الجزائر، وسوف يُفرض عليها وجوبًا تفكيك تنظيم يشكل خطرًا على المنطقة وله سوابق وارتباطات مع جماعات إرهابية في الساحل والصحراء. ويبدو أن هناك مؤشرات وتقارير توحي بإعداد سيناريو من هذا القبيل.
السيناريو الثاني: اعتبار مجلس الأمن بأن النظام الجزائري يرفض تطبيق قرارات الشرعية الدولية (خصوصًا القرار 2797) الخاصة بتسوية نزاع إقليمي بشكل سلمي. وهذا يمكنه أن يتسبب في تهديد السلم والأمن والاستقرار الإقليمي، مما يستوجب على الأمم المتحدة التعامل بصرامة وحزم وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية على الجزائر، وذلك وفقًا لما يقرره الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة من ترتيبات.
السيناريو الثالث: بما أن الولايات المتحدة الأمريكية انخرطت بشكل قوي في تدبير هذا الملف أكثر من أي وقت مضى، فهي عازمة على إنهائه وفقًا للتصور الذي تؤمن به (والذي أعلنت عنه سابقًا: السيادة الكاملة للمغرب على صحرائه)، وبناءً على إستراتيجية موضوعة سلفًا تقوم على إعادة صياغة المنطقة وتشكيلها. لا على أساس إرضاء الأنظمة المفلسة والفاقدة للشرعية، ولا على أساس خلق كيانات انفصالية تهدد السلم والاستقرار ومصالح الدول في المنطقة. بل على أساس احترام الشرعية الدولية والوحدة الترابية للدول والأمن الإقليمي، ووفق ما تفترضه موازين القوى الراهنة على الصعيد الدولي، والتي أضحت للولايات المتحدة الأمريكية مكانة حاسمة فيها، وأصبحت لها الكلمة الفصل في القرار الدولي الحالي.
لذلك، فأي قراءة غير دقيقة للسياق الراهن من طرف "النظام" الجزائري، وأي تماطل أو محاولة للتنصل أو المراوغة للإفلات من مسؤوليته في ملف الصحراء، وعرقلة مشيئة مسار الحل الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، سيعني ذلك أن تجربة سوريا وإيران وفنزويلا ممكنة التكرار والوقوع بقوة مع من يدبرون شأن "النظام" الجزائري.
– أستاذ الدراسات السياسية والدولية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.