لا يملك الإعلام اليوم سوى ترقب الأخبار والمعلومات الواردة من وزارة العدل الأمريكية عن قضية ̋جيفري ابستين"، وثائق كافية لإدانة الزعماء والمشاهير في عالم المال والأعمال˓ والمشاهير في عالم السياسة والفن، وعلاقات الرجل بالمجتمع المحلي الأمريكي، وشبكة من العلاقات الدولية في جزيرة معزولة بالبحر الكاريبي، حيث تتوفر على مستوى رفيع للمتعة والالتقاء بين النجوم والشخصيات في العالم الساحر، والمكان المفعم بالتسلية، جمالية المكان ومكوناته تضفي نوع من الراحة النفسية بعيدا عن الصفقات التجارية، والخطاب السياسي، وتبرز الملفات المظهر الخارجي للعلاقات العابرة، والسجلات والرحلات والمراسلات مع شخصيات وازنة، ابستين ليس شخصا عاديا، ولا يعني شخص متفردا في أفعاله، إنه بنية أو شبكة متشعبة من التفاعلات، ونسق يشمل التخطيط والتوجيه، وإعادة التصويب للفكر السياسي، والحياة الاجتماعية التي تتحكم في النخبة والسياسة العالمية، ابستين الملياردير المدان بجرائم جنسية والاتجار بالقاصرات، ونحن ضحايا الفهم البسيط للسياسة، وعلاقات السلطة، بل نحتاج إلى تحليل للفيلسوف "ميشيل فوكو" عن ميكروفيزياء السلطة، أن السلطة حصيلة علاقات قوة، ترويض الأجساد وإدراج الجسد ضمن أقنعة تخفي سياسة التحكم والتوجيه، ونعتقد دائما أن السياسة يحكمها المال والنفوذ والمصالح، والعالم منطقه القوة. أعتقد أن وزارة العدل الأمريكية في تشرها للوثائق بأمر من الرئيس ترامب ترمي نحو غايات ونوايا لا يتم التكهن بمصداقيتها، من قبيل، الكشف عن مخططات، وشخصيات نافدة في الحزب الديمقراطي، مما حذا ببعض رموز الحزب، ومنهم هيلاري كلينتون للشك في توقيت القضية، ومدى الانتقاء والتستر الذي شاب العملية، وثائق تهدد بنية النفوذ آو يمكن اعتبار القضية زلزال سياسي بتداعيات مختلفة، يمكن أن يهدد تماسك المجتمع الأمريكي، ويزرع بوادر الشقاق والصراع بين الأحزاب السياسية على القيادة والزعامة، المشكلة تتعلق بطبيعة القضية التي وقعت خارج التراب الأمريكي، وهمت قاصرات، وشخصيات، من الضروري في مبادئهم وجود شروط في ممارسة الفعل السياسي كالكفاءة الفكرية والأخلاقية، أن يكون هؤلاء نماذج للمواطنين الصالحين، والفاعلين السياسيين الذين يتركون أثرا في العمل السياسي، القضية تتجاوز النخبة الأمريكية إلى شخصيات عالمية وازنة، اجتمعت بناء على دعوات. ذكاء ودهاء ابستين وشركاؤه، من المقربين، أولئك الذين عملوا على تحديد الأولويات والترتيبات والإجراءات، من السفر والحضور إلى التصوير، والاستجابة لمطالب القادمين، حفلات ليست كالحفلات العادية، مكان منقسم بين الداخل والخارج، مكان لاحتجاز القاصرات، غرف وممرات، فضاء شاسع مطوق بالماء، جزيرة ابستين العائمة والهادئة، ولذلك يرغب المتتبع للحدث فهم مجريات أدق التفاصيل، كيف عمل ابستين على مأسسة الشبكة ؟ كيف تؤثر الشبكة في العلاقات، وتصنع القرارات تحت غطاء التصوير والمساومة؟ قضية رأي عام، ومشكلة دولية ضحيتها السياسة والأخلاق، وعندما تنزلق السياسة نحو عدم المحاسبة، والمراقبة للنخبة، وتفكيك للعلاقات المشبوهة يدرك العالم أن المخططات والدسائس والمناورات السياسية لم تعد مكشوفة، خيوط السياسة في تفكيك المنظومات المتكاملة والقوى المتحكمة بطرق غير مباشرة، تتوارى الحقيقة، ويبقى السؤال والتكهن، تتلون السياسة بالخطاب والقانون، ويتغير مفعولها بناء على شبكة إعلامية في التضليل والتشويه والاستمالة، وخير مثال، أسلحة الدمار الشامل بالعراق، واختطاف الرئيس الفنزويلي "مادورو". العالم اليوم تحكمه علاقات القوة التي تستفرد بتسيير العالم سياسيا، وتتحكم في صنع القرار، العالم اليوم في حاجة إلى سياسة معقولة في توازن المجتمعات، وتطبيق القانون دون مساومة أو ابتزاز بالأساليب القذرة أو المكافئة المادية أو أشياء من هذا القبيل. الأمر الآخر يتعلق بالشخصيات النافذة التي تتبوأ المكانة والقيمة، إما في مجال السياسة أو الأعمال، وهي محسوبة قانونيا على القانون الأمريكي أو على الأقل شريكة في المعرفة بالأفعال الشنيعة لجيفري ابستين في قضايا استغلال جنسي لقاصرات، عالم تنسج خيوطه من جزيرة بالكاريبي، عالم غامض ومتشابك لنا، ومكشوف الآن للجهات الكاشفة، والقليل من المعلومات تتدفق وتظهر للعلن، ثلاث ملايين صفحة من الوثائق السرية، مقاطع فيديوهات، وآلاف الصور والرسائل الالكترونية، ملفات شائكة ومعقدة لمن يرغب في تحري خبايا اللعبة السياسية في العالم، لمن يريد التوغل في فهم تجليات السلطة، وشبكة العلاقات في إدارة العالم من جزر معزولة، وحتى لمن يستقي الأخبار من الإعلام والتحليل الأكاديمي، يبدو أن ابستين جمع في جزيرته كل أطياف المجتمع، من الأكاديميين، ورجال الأعمال والسياسيين، ونجوم الفن، والقائمة طويلة من الشخصيات النافدة، جزيرة ابستين غابة كثيفة تخفي ممرات وطرق، في قلبها وحوش، وصمت رهيب، تعج من الداخل بحركية، يتيه الإنسان في وسطها أمام الأشجار الوارفة والأعشاب الكثيفة، في وسطها بتم التقاط صور ثابتة ومتحركة، ومن يدخلها مفقود، يشعر بنوع من الارتياح والمتعة اللحظية تنسيه السؤال، ومكان القدوم، ليست كل الأمكنة متشابهة، وليس المكان شبيها بالنوادي الليلة للرقص والموسيقى، لقد وفر ابستين للعابرين والمسافرين كل وسائل الراحة والمتعة، لا شيء غير المتعة، لا شك أن عوالم ابستين متعددة لمن يرغب في النفاذ إلى ما تخفيه هذه الشبكة من علاقات متشابكة، بنية معقدة ومترابطة من العلاقات المشبوهة، والتأخر في الكشف عن القضايا يخفي دوافع واضحة وكامنة، لعل الضغط الكبير من قبل الضحايا واضح، ودور الصحافة الاستقصائية، ونهج فكرة الوضوح والشفافية وراء إخراج الملفات للعلن، ويكون التوقيت مناسبا لرفع طابع السرية، التوقيت يلقي بثقله على معضلة أخلاقية وسياسية لأمريكا زعيمة العالم، وهي معضلة إنسانية، ومشكلة تتعلق بالفعل الإنساني، نزوع النخبة في اللعب بعقول الناس في تناقض مع الخطاب التسويقي في مجال السياسة، ومجال المال والأعمال والمفاهيم الكبيرة إلي تجري على لسان القادة، والنخبة من الأكاديميين، ودعاة العولمة، وحقوق الإنسان. تتحرك السياسة أحيانا من خلال منظومة مشبوهة، وبناء على علاقات لا مرئية، متشعبة النوايا والأهداف، ابستين ليس ذئبا منفردا بل جماعة، فسيفساء وكتلة غير متجانسة، وتكتلات تحتمي بالمصالح، ومتسترة بالحماية القانونية، ومن الواجب على وزارة العدل الأمريكية، والحكومات العالمية تفعيل بنود العقاب والمساءلة القانونية، فليست هناك نخبة آمنة، وفوق القانون، إذا كان للإدارة الأمريكية السلطة والقدرة على المحاسبة، أما سياسة التعتيم والتجاهل أو طي الملفات وحصرها في الدوائر الرسمية لن يزيد إلا أسئلة، ويعمق اللبس في عدم تحقيق العدالة والإنصاف، لقد مات ابستين منتحرا ولازال شركاؤه أحياء، والضحايا من القاصرات شهود على الاستغلال الجنسي. المشكلة الأبرز كذلك تتعلق بوظيفة الصور والفيديوهات للفاعلين، أن يكون لها مفعولا في إدارة العالم، وتحريك الصراعات والحروب، وصراع النفوذ والإرادات، واستعمالها كأدوات للضغط والابتزاز.هذا للفعل إذا كان واقعيا فان السياسة انحرفت عن قواعدها بالفعل، يكون ابستين بدوره ضحية لقوى تمتلك القدرة على تحريك الصراع والتحكم بخيوطه، وإذا كان الأمر يتعلق بالتستر على بعض الشخصيات والتحفظ في نشر الحقائق فإن الأمر يتعلق بحماية هوية الضحايا وسلامتهم النفسية، الأمر هنا يتعلق كذلك بالصراع القائم بين الديمقراطيين والجمهوريين، حيث ورد تكرار اسم ترامب في الملفات، ولم توجه له اتهامات، وفي معرض كلامه عن قضية ابستين، خرج ترامب بتصريح على منصة "تروث سوسيال" عندما قلل من الاهتمام واعتبر أن الديمقراطيين هم من تعاونوا مع ابستين، ويجب فضخ أسمائهم، ولا يرغب اليسار في الحديث عن نجاحات ترامب بل يجند بعض وسائل الإعلام للتشهير وإعلان العداء . إن ملفات ابستين شائكة، ولو كان حيا لكانت شهادته دقيقة وشاملة في تعرية حقيقة النخبة السياسة، وتفكيك شبكة العلاقات المترابطة الأطراف، غيابه يشكل الحلقة المفرغة أو الجانب الخفي للدوافع الذاتية والموضوعية من العلاقات التي تنامت، وتعممت وشملت شخصيات نافذة في عالم المال والسياسة، والفن والفكر، والجنس والسلطة، إخراج فني كبير ومتطور للربط المتين بين الجسد والسياسة، تطويع يوازيه تليين العقول والمواقف، وتقديم الخدمات للأثرياء، العالم يحتاج إلى جرأة المؤسسات النزيهة التي تكشف عن زيف السياسة، وانحراف نخبها، يحتاج العالم اليوم إلى المكاشفة، والكشف عن الأخبار الخاصة بدهاليز وخفايا النوادي والجزر المعزولة، وتفكيك الشبكات، الأمر يذكرنا بموقع "ويكيليكس" ومؤسسه "جوليان اسانج" في الوثائق المنشورة عن حرب فتتام والحرب على أفغانستان والعراق، وأرقام عن عدد المصابين بمرض الملاريا في إفريقيا، وكل ما يتعلق بالمؤسسات والأنظمة الفاسدة، والمعلومات التي يقدمها الموقع دقيقة وذات مصداقية، اللحظة فارقة تجعل الناس في العالم يطرحون أسئلة من قبيل : من يحكم العالم؟ وهل السياسة والفاعل في حاجة لأخلاق الواجب والمسؤولية ؟ هل يمكن إخضاع النخبة بالمساومة والابتزاز؟ أسئلة مشروعة في غياب الحقيقة، ولن يكف الناس عن طرحها إلا عندما تصير الحقيقة معروضة ومكشوفة للكل .